الهوة السحيقة بين أرض الحقيقة وجمهورية الخيال

السبت 2018/01/27
القصص تربطنا بماضينا وتزودنا بفهم انتقادي لحاضرنا

بيروت – “هؤلاء القوم لا يشبهوننا، إنهم من عالم آخر، إنهم لا يأبهون بالكتب، هنا الوضع يختلف عما هو عليه في إيران، حين كنا مجانين بما يكفي لننسخ المئات من الصفحات من كتب مثل مدام بوفاري أو وداعا للسلاح”. هكذا تحدث مهاجر إيراني إلى الكاتبة الأميركية ذات الأصول الإيرانية آذر نفيسي حينما التقاها في سياتل، يعرف الشاب أنها مؤلفة ”أن تقرأ لوليتا في طهران”، ويعرف حرصها على تدريس الكتب الممنوعة حين كانت أستاذة في جامعة طهران، مثل لوليتا لفلاديمير نابوكوف، وأنهم فصلوها من الجامعة في 1981 لأنها لم تكن ترتدي الحجاب، وكان يشاركها الاعتقاد بأنّ الكتب يجب أن تكون “أساسية في حياتنا”.

تتكرر اللقاءات والأحاديث حول الكتب التي ضمنتها نفيسي في كتابها “جمهورية الخيال” – تمنحه في الكتاب اسم رامين- وهي لا توافقه الرأي، لكن أحاديثه تجسد أمام عينيها الهوة السحيقة بين أرض الحقيقة وجمهورية الخيال، فتدفعها لتأليف كتابها “جمهورية الخيال: أميركا في ثلاثة كتب” ليكون جسرا تعبر فوقه تلك الهوة.

في كتابها هذا الذي ترجمه علي عبدالأمير صالح، وصدر عن منشورات الجمل، تقدم آذر نفيسي قراءة عميقة للمجتمع الأميركي من خلال ثلاثة أعمال أدبية شهيرة، أولها “مغامرات هكلبيري فين” لمارك توين (صدر في عام 1885)، والثاني “با بيت” لسنكلير لويس (صدر في 1922)، والثالث “القلب صياد وحيد” لكارسون ماكالرز (صدر في عام 1940).

وتختم كتابها بالحديث عن جيمس بالدوين. ويلاحظ القارئ أن أكثر من نصف قرن يفصل بين الكتابين الأول والثالث فكأن آذر نفيسي أرادت الوقوف على التحولات التي شهدها المجتمع الأميركي خلال هذه الفترة، في محاولة منها لأن تكتشف ما يعنيه أن يكون المرء أميركيا، ومعنى أن يتجاوز هذه الهوية القومية ليصبح من مواطني جمهورية الخيال التي لا حدود لها.

تفترض آذار نفيسي أن قارئا ما قد يستهجن قراءة المجتمع الأميركي من خلال أعمال أدبية، فتجيب في مقدمة الكتاب بقولها “الروايات الخيالية والمؤلفات الأدبية وجميع أنواع الفنون تصلنا بماضينا وتشرح حاضرنا وتتوقع مستقبلنا. من دون هذه السمة الشاملة، كنا لنتعامل بوحشية تامة في ما بيننا، حتى أننا قد نصبح أكثر وحشية مما نحن عليه اليوم، لذا يزداد الوضع خطورة حين تستعمل النخب في بلادنا سياسة التعليم لحرمان أولادنا من القراءة عبر تقليص دور الأدب”.

وتضيف “القصص ليست مجموعات متواصلة من الخيال الجامح، الفنتازيا، أو أدوات السلطة والهيمنة السياسيتين. إنها تربطنا بماضينا وتزودنا بفهم انتقادي لحاضرنا وتجعلنا قادرين على تصور حياتنا ليست كما هي بل كما يجب أن تكون”.

كما تؤكد على أن “الأزمة التي تقلق أميركا ليست أزمة اقتصادية أو سياسية؛ ثمة شيء أعمق يحدث الخراب عبر البلد بأسره، وهو وضع جشع ومنفعي يكشف بوضوح تعاطفا قليلا مع خير الشعب وسعادته الحقيقية”.

كانت الخطة الأولى للكتاب تقضي بتناول أعمال أربعة وعشرين كاتبا، لكن نفيسي استقرت على أربعة فقط أولهم مارك توين، لأن “مشروعه كله يعارض مفهوم الحقيقة التوتاليتارية الواحدة، إذ أصرَّ توين على ضرورة أن نعيد للناس أصواتهم ونسمح لهم بالتكلم والتعبير عن آرائهم ومشاعرهم”.

وفي “مغامرات هكلبيري فين” يعرض توين مأساة الهنود الحمر، فيسأل ”أين هم أسلافي؟ من هؤلاء الذين يتعين علي أن أحتفي بهم؟“، ويتابع “أسلافكم سلخوا جلده وهو حي، وأنا يتيم. ما من قطرة دم تجري في عروق ذلك الهندي في يومنا هذا. إنني أقف هنا وحيدا بائسا، دون سلف”.

وتحصي آذر نفيسي استخدام مارك توين لكلمة “نيجرو” 219 مرة، وتعلق على قيام الناشر بحذفها من إحدى الطبعات حتي لا تؤذي مشاعر القراء، فتقول “في المجتمع الديمقراطي نحن لا نمارس الطرائق الوحشية للنظام الاستبدادي، لكن نجد طرائق جديدة ومؤذية للتعبير عن انحيازاتنا. يتعين على المرء أن يتوقف قليلا ويتخيل ماذا يعني أن نخضع للرقابة كل ما هو غير مريح في نصوصنا، كيف يمكن أن تطمح في تدريس التاريخ، إن لم يكن باستطاعتك أن تواجه الماضي كما هو عليه؟”.

أما رواية كارسون ماكالرز “القلب صياد وحيد” فتصور شخصيات منعزلة تفتقر إلى التحقق والانسجام، وليس بوسعها أن تقيم علاقات مطردة مع الآخرين بالرغم من تحدثها بأسلوب أكثر تحضرا، إلا أنها لا تستطيع التفاعل مع غيرها، وهو ما تصفه نفيسي بقولها ”شخصيات ضبابية الروح تمثل نوعا جديدا من الوحدة المدينية، سوف تلقي بظلالها طويلا على الرواية الأميركية”.

وانطلاقا من تلك النقطة تصل الكاتبة لجيمس بالدوين، وتقول ”كانت هذه الفكرة عن الأصل المختلط محورية بالنسبة إلى بالدوين الذي اعتبر نفسه ابنا غير شرعي للغرب. لقد تم اقتلاعه وحرمانه من أسلافه بالقوة. حين قال له العنصريون: أنت لست منا، أنت لا تشبهنا، أنت لست أميركيا. أجابهم بالدوين: غير صحيح أيها الأوغاد. لقد أخذتم مني كل شيء. لست أفريقيا ولكنكم لا تسمحون لي بأن أكون أميركيا. سأصبح أميركيا أفريقيا”. وهكذا لم تعد الجذور مهمة لبالدوين، وهذا ما ساهم في توسيع مكتبة أميركا الأدبية.

15