الهوس الزائد بمستقبل الأبناء يهدر طفولتهم

إصرار الوالدين على إنتاج أطفال عاقلين ناجحين يقوض قدراتهم على التعلم، حيث أن تركيزهم على مستقبل الأبناء يفقدهم التفكير في حاضرهم.
الأحد 2019/04/14
الخوف الزائد على المآلات يحبط الطفل

يقع الآباء في الكثير من الأحيان في فخ المبالغة في سلوكيات خاطئة تجاه أبنائهم لفرط حرصهم على أن تكون نتائج تربيتهم مثالية. يؤدي ذلك حتما إلى النتائج غير المرجوة ولكنهم يدركون وقع تلك السلوكيات الخاطئة، في أغلب الأحيان، عندما يكبر الأبناء ويصدمون بتصرف غير سوي أو صادم منهم، حينها يقيمون أساليبهم التربوية وقد يصل بعضهم إلى إدراك أن تركيزه على مستقبل الأبناء كان على حساب طفولتهم.

لندن – يتجاهل الكثير من الآباء، عن غير قصد، أهمية فترة الطفولة التي يجب أن يعيشها أبناؤهم بشكل طبيعي، ويفسر الخبراء ذلك بكونه نتيجة لتركيزهم الشديد على تشكيل مستقبل الطفل عندما يبلغ سن الرشد.

وتعد تربية الطفل من أهم وأكثر المواضيع الخلافية والمثيرة للجدل على مر السنين، فمثلا الإجابة على سؤال: هل تجعل ألعاب الفيديو العنيفة الناس أكثر عنفا؟ بالنسبة للمحافظين الثقافيين، يرون أن الإجابة هي دائما “نعم”، بالنسبة للاعبين أنفسهم، يعتقد الغالبية المطلقة منهم أن الألعاب لا تؤثر على مبادئهم وأنهم قادرون على الفصل بين الخيال والواقع.

وتبقى الأبحاث التي نشرت على مدى السنوات المنقضية متناقضة إلى حدّ مثير للدهشة، حسب رأي الكاتب في صحيفة الغارديان البريطانية أوليفر بوركمان، الذي يقول إن الجواب الواقعي هو “ربما، قليلا”، على الرغم من أن إحدى الدراسات الكبيرة التي نشرت في الآونة الأخيرة لم تجد أي صلة بين العدوان والوقت الذي يقضيه الشخص العنيف في اللعب.

وكتب المدون ماثيو وارن في “ريسيرش ديجست” التابعة للجمعية النفسية البريطانية، عن تأثر العديد من الدراسات بما يسمى “التقارير المؤذية”، “اسأل المراهقين عن دوافعهم الخاصة للعنف، وسيبالغون في إجاباتهم من أجل الإضحاك. إنها مشكلة حقيقية في أبحاث الشباب: في الدراسات الاستقصائية، يدعي المراهقون أنهم متبنون أو متحولون جنسيا، أو أنهم قصيرون أو طويلون مقارنة بالمعدل العادي، ليس لأنهم كذلك، ولكن لأنهم مراهقون يعتبرون ملء الاستبيانات أمرا مملا ما لم يخلقوا إجابات غريبة ومختلفة ليضحكوا عليها في ما بعد مع زملائهم”.

المغالاة في تقدير مستقبل الأطفال تنتشر لأن أمامهم الكثير في هذه الحياة. ولأن الأطفال يكبرون، نعتقد أن هدف الطفل هو أن يكبر، لكن هدف الطفل هو أن يكون طفلا

وأفادت الإذاعة الوطنية العامة الأميركية في أحد الاستبيانات، بأن 253 طالبا يستعملون أطرافا اصطناعية، لكن 99 بالمئة منهم كانوا يكذبون.

ويفترض الخبراء أن السبب الوحيد للاعتراض على اللعب لساعات هو التأثير السلبي المستقبلي الأوسع الذي يحذر منه غالبية العلماء، وتتخلل هذه الفكرة المنشورات المتعلقة بالأبوة والأمومة ورفاهية الأطفال، حيث أن المقياس الوحيد لتقييم أساليب تربية الأطفال هو ما سينجر عنها بالنسبة للجيل الجديد في المستقبل.

ويربط المختصون في علم النفس والتربية بين تدليل الأبناء وبين ما يطلق عليه فرط الأبوة ويعني الآباء المدللين، وهم الآباء الذين يولون اهتماما شديدا بخبرات ومشكلات أطفالهم، ويعتبرون ذلك ممارسة خاطئة. فتدريب الأب المدلل لأولاده على البيانو يوميا من سن الثالثة يعد أمرا جيدا إذا أدى إلى براعة الطفل مستقبلا، ولكنه سيء إذا تحول إلى تدريب وحشي ينفر منه الصغير، بسبب إفراط الوالدين فيه.

ويرى الكاتب الأميركي آدم غوبنيك أن الاعتقاد بأن إثبات صحة أو خطأ طريقة تربوية ما يكمن في نتيجتها في المستقبل، وهذا برأيه كارثة، وهو ما يجعل نظرتنا إلى طريقتنا التربوية غير مكتملة، ويقول غوبنيك موضحا “لا يجب أن يقتصر السبب في أننا لا نريد أن يشاهد أطفالنا أفلاما عنيفة لخوفنا من أن ذلك سيحولهم إلى أشخاص عدوانيين عندما يكبرون، بل يجب ألا نسمح لهم بأن يشاهدوا تلك الأفلام لتأثيرها عليهم الآن”، فبعض المشاهد قد تشعرهم بالخوف وقد تحدث لهم كوابيس وغيرها بسبب تلك الأفلام.

هدف الطفل هو أن يكون طفلا
هدف الطفل هو أن يكون طفلا

ويشكل قضاء ساعات من العمر المحدود في خيال عنيف مجرد وسيلة سيئة لقضاء الحياة، حتى لو لم يجعل هذا الخيال الشخص عدوانيا في المستقبل. إذا أصبح تدريب البيانو اليومي مصدر تعاسة في طفولة صغيرك، فربما لا تستحق رغبتك في أن يكبر ابنك ليصبح عازفا مرموقا هذه التضحية.

ويكون الوقوع في هذه العقلية سهلا بشكل صادم، فالعديد من الآباء يرون مزايا أنشطة أو سياسة معينة أمورا يجب القيام بها من أجل تشكيل المستقبل، ولا يفكرون في الحاضر كما يجب.

ويقتبس غوبنيك مقولة وردت في “ساحل يوتوبيا”، وهو عمل للمؤلف المسرحي البريطاني توم ستوبارد، جاء فيها “لأن الأطفال يكبرون، نعتقد أن هدف الطفل هو أن يكبر. لكن هدف الطفل هو أن يكون طفلا”.

وتنتشر المغالاة في تقدير مستقبل الأطفال، لأن أمامهم الكثير في هذه الحياة. لكن، على البصيرة أن تنطبق على الجميع، إن الحكم على تجربتك من حيث تأثيرها المستقبلي فقط هو تجاهل لحاضرك.

وتقول الكاتبة وخبيرة تربية الأطفال الأميركية إيريكا كريستاكيس في كتابها “أهمية أن تكون صغيرا” الذي يعتبر تحديا جريئا للمفاهيم الشائعة المتعلقة بالطفولة من خلال النظر إلى الأمور من وجهة نظر الطفل في العالم الذي يصممه الكبار، “إن إصرارنا على إنتاج عاقلين ناجحين يقوض قدرة الأطفال على التعلم اليوم”.

21