الهوس الوطني لا يقل خطرا عن الهوس الديني

الهوس الوطني يخفي عوارا سياسيا واجتماعيا، ويخلق جيلا من الوشاة والخائفين، وفي هذه الغيوم لا يعترف محامون جاهزون لاتهام الأبرياء بأنهم مرضى، وبدلا من أن تحيلهم النيابة إلى الطب النفسي للعلاج، فإنها تستجيب لبلاغاتهم التي تكيل اتهامات لكتاب أو فيلم أو مسرحية.
الثلاثاء 2018/03/20
ترديد نشيد سلاح الصاعقة المصرية يجتاح المدارس

تأخر وصولنا، مساء الجمعة الماضي، بضع دقائق عن بدء حفل افتتاح مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية في ساحة معبد حتشبسوت، وأدركنا نهايات عزف السلام الوطني، ولم نستمع إلى بدايته، لنردد هامسين “بلادي بلادي”.

هامت النغمات والكلمات في خلاء الوادي، وعبرت الجبل، وتعثرت في خطوات الراجلين وإطارات الحافلات، ومن حولي تدافع القادمون للبحث عن مقعد، عازفين عن الاستماع أو غير منتبهين أصلا، ووقفت احتراما لجلال النشيد، هكذا تعلمت في الجيش الوقوف للسلام الوطني في وضع “انتباه”، وهكذا شاهد العالم عقب نجاح ثورة 25 يناير 2011 في خلع الرئيس الأسبق حسني مبارك إلقاء اللواء محسن الفنجري لبيان الجيش الذي “ليس بديلا عن الشرعية التي يرتضيها الشعب”، وتأكيده أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة “يتوجه بكل التحية والإعزاز لأرواح الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم فداء لحرية وأمن بلدهم”.

 وعند ذكر كلمة “الشهداء” صمت الرجل صمتا بليغا، وأخذ وضع “انتباه”، ويعني في اللغة العسكرية أن يشد قامته فيكون أكثر مهابة. ورفع الفنجري يده بالتحية للشهداء، ثم أكمل البيان.

انحرفت بي المقدمة إلى غير ما قصدت، وذهبت إلى الثورة التي انحرفت هي الأخرى مرتين، وجرفتها بالتوالي اثنتان من القوى المضادة للثورة، فهبطتا بها من ذروة جبل الأحلام إلى القاع، ولا أقول المستنقع، وفي الارتطام أفقنا على إعادة أكثر صرامة لمشهد ما قبل 25 يناير 2011، وأضيف إليه هوس ديني لم ينته تماما بنهاية حكم الإخوان، ثم هوس وطني تتعدد مظاهره، وليس أخطرها عزف السلام الوطني في مواقع ومناسبات تقلل من مهابته، وإنما تؤدي إلى نزع البراءة من نفوس الصغار، بإلباسهم لباس الجيش في طابور الصباح بالمدارس، وإجبارهم على ترديد نشيد سلاح الصاعقة المصرية “وقالوا ايه”، بدلا من استماعهم إلى موسيقى النشيد الوطني.

نشيد الصاعقة يُلقَى بصيغة رجولية آلية، خشنة لا تخلو من رغبة في الانتقام، تناسب الظروف القاسية لرجال الصاعقة، ولكنها تقضي على روح الطفولة، بتكوين جيل يحفظ ولا يفكر، يتوعد ولا يحاور.

 وفي لحظة التأخر عن إدراك عزف نشيد “بلادي بلادي” نسيت التلاميذ، وتذكرت حضوري مهرجان المربد الشعري في البصرة عام 2017 وقد افتتح بتلاوة القرآن، وبالذكر الحكيم أيضا يفتتح مهرجان السينما في إيران، ولا يضيف هذا التقليد شيئا إلى جلال القرآن الكريم.

التحفظ على عزف النشيد الوطني في مناسبات دون هيبة رمز الدولة، مصدره خشية الاعتياد، والانشغال بالكلام والحركة وقت العزف والترديد، وأنا من الجيل الذي يعرف دلالة هذا الرمز ويقدره، منذ جُنّدت في سيناء، عند “خط أ”، وكان آخر موقع يسمح فيه بوجود قوات مصرية وفقا لتنازلات أنور السادات المعروفة خطأ بمعاهدة السلام في العام 1979، إلى أن تمكنت ثورة 25 يناير 2011 العظيمة من فرض سلطة الأمر الواقع، وأسهمت في بلوغ قواتنا حتى حدود فلسطين المحتلة.

الهوس الوطني لم يكن عبر التاريخ إلا تعبيرا عن مقدمات كارثية، ففي الفلسفة النازية كانت "ألمانيا فوق الجميع"، بمؤهلات عسكرية وقاعدة علمية افتقرت إليها النسخة الساداتية بشعارها الدعائي الفارغ "مصر فوق الجميع"، ثم اختار حسني مبارك شعار "مصر أولا"

لا يعلن المتصوف عن فلسفته، ولا يشغله جذب انتباه الناس إلى سلوكه، ولا يباهي بصفاء قلبه وزهده وترفعه عن الصغار والصغائر، ورب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره.

وتحت راية النفاق العام، ينتظر هذا الأشعث الزاهد في المزايدة على الهوس الوطني مصير بائس؛ فبحسن نية أو بسوء تتسلل الأهواء وتتعدد الأغراض، ويؤجل مشروع بناء الإنسان لصالح ديماغوجية تستثمر في مغازلة مشاعر الجماهير، وتشير بأصابع الاتهام إلى مواطنين لا ذنب لهم إلا أن لهم رأيا مختلفا، وتصادف أن وجهوا انتقادا إلى مؤسسات سيادية، فتقتل روح النقد المصاحبة لنفض الخبث عن الجوهر، ويتأخر الحلم بوعد ديمقراطي أسمى وأكثر تعقيدا من صندوق يتلقى الأصوات، في الاستفتاء على رئيس الجمهورية.

لم يكن الهوس الوطني عبر التاريخ إلا تعبيرا عن مقدمات كارثية، ففي الفلسفة النازية كانت “ألمانيا فوق الجميع”، بمؤهلات عسكرية وقاعدة علمية افتقرت إليها النسخة الساداتية بشعارها الدعائي الفارغ “مصر فوق الجميع”، ثم اختار مبارك شعار “مصر أولا”.

ولا تدعو نهايات هذه التجارب إلى أي تفاؤل؛ فالدولة القوية حين تكون بالفعل “دولة” لن يهز رسوخها فيلم مناهض للتعذيب، وجملة حوارية في مسرحية تنتقد سلوك الشرطة، أو تصريح كيدي يستخرج من الأضابير لمطربة ساذجة قالت إن النيل ملوث بالبلهارسيا.

كان للمصري القديم في عبوره إلى الحياة الأبدية في العالم قسَم خاص بهذا النهر/ الإله “حابي”، يقول “أنا لم ألوث ماء النيل”، وقد تلوث النهر منذ عقود بما هو أخطر من البلهارسيا.

في عام 1986، وفي ما يشبه النبوءة بتمرد جنود الشرطة (قوات الأمن المركزي)، اجتمع وزراء الدفاع والداخلية والثقافة لمشاهدة فيلم “البريء”، وفيه يغرر بالجندي البائس أحمد سبع الليل (أحمد زكي)، ويشحن نفسيا لتعذيب “أعداء الوطن”، إلى أن يفاجأ بصديق طفولته خريج الجامعة بينهم؛ فيتأكد له جرح الخديعة.

رأى الوزراء حذف نهاية الفيلم الانتقامية، ثم دارت الأيام وعرض كاملا، عام 2005 في افتتاح المهرجان القومي للسينما المصرية بدار الأوبرا بالقاهرة، ويتوالى عرضه كاملا في الفضائيات من دون أن يصيب أجهزة الدولة خلل.

وفي عام 2016 شاهدنا في مهرجان القاهرة الفيلم الفلبيني “ما روزا”، بعد فوز بطلته بجائزة أفضل ممثلة في مهرجان كان 2016. وبنظرة أمنية مرتعشة كان يسهل على السلطات الفلبينية منع إنتاج الفيلم ورفض عرضه؛ بحجة غرقه في العشوائيات والعالم الخلفي المثقل بالجريمة والمخدرات وفساد رجال الشرطة. ولكنه مثل “البريء” مجرد فيلم.

الهوس الوطني يخفي عوارا سياسيا واجتماعيا ونفسيا، ويخلق جيلا من الوشاة والخائفين، وفي هذه الغيوم لا يعترف محامون جاهزون لاتهام الأبرياء بأنهم مرضى، وبدلا من أن تحيلهم النيابة إلى الطب النفسي للعلاج، فإنها تستجيب لبلاغاتهم التي تكيل اتهامات لكتاب أو فيلم أو مسرحية أو تصريح عابر لا يؤذي أحدا.

انتهت المساحة، ونسيت أن العنوان يفترض أن يشمل هوَسيْن، فلنؤجل الثاني إلى الأسبوع القادم، إذا الله سلم، وكان في العمر بقية نشر.

9