الهوس بمثالية الشريعة علّة مزمنة تعيق إدراك الحداثة

الباحث التونسي سامي الرياحي يؤكد أن المسلمين أمام تحدي الخروج من دهاليز زمن لا يساير الواقع، وأن التطوّر التاريخي الذي عرفه مفهوم العرف يبرز أنّ القانون في وضع تشكّل دائم ومستمر.
الأربعاء 2019/06/12
المسلمون مكبّلون بمثالية التاريخ

عند الحديث عن مقومات الدولة الحديثة لدى المسلمين، دائما ما يُطرح خاصة في السنوات الأخيرة التي تغلغلت فيها التيارات الإسلامية ووصلت حد مرحلة الحكم، استفسار ملازم للثقافة الإسلامية لا تخرج سياقاته عن تلك المعضلة المتمحورة حول ما الذي يمكن أن نعتمده كمصدر للحكم ولمبادئ الدولة، لتظهر في كل مرة تلك الثنائية القائمة على متناقضات التشريع الإسلامي والقانون الوضعي. هذا الإشكال المزمن ليس بجديد أو وليد اليوم، لكن مقتضيات العصر الراهن هي التي سرّعت في نسق فرضه بقوة خاصة مع وجود اعتقاد جامع بين المفكرين على أن الإصلاح الديني والمرور إلى مرحلة الدولة الحديثة لا يكونان إلا عبر التخلص من الهوس بمثالية التشريع الإسلامي والمرور إلى الاعتماد على القانون كمصدر تشريع حديث.

القاهرة - هل يُمكّن الجمع بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي من بلوغ أسمى درجات الدولة الحديثة الخارجة عن سياق الدولة الدينية؟ هذا هو السؤال الذي ظلّ مرافقا لجل المفكرين وحتى بعض الفقهاء عند الحديث عن الآليات الممكنة للقيام بإصلاح ديني يكون متناسقا مع متطلبات الوضع ورغبات الشعوب.

لقد ظلّت الثقافة الإسلامية، رغم وعي شرائح واسعة من المسلمين بأن التشريعات القائمة على الشريعة الإسلامية تعد من أكبر العوائق التي تحول دون إدراك مرحلة الحداثة، متشبثة بإرث ثقافي ديني لا يقبل التشريعات الوضعية، أي القانون الخارج عن دوائر الدولة الدينية كمصدر لحكم أو مبدأ الدولة الرئيسي.

هذه المعضلة الجدالية والتاريخية، صعدت بقوة في السنوات الأخيرة بعد أن فرض الواقع المتغير ذلك، ما جعل جزءا كبيرا من الباحثين المختصين في الشأن الديني والحضارة ينكبون على تقديم بحوث ودراسات وآثار باحثة عن مخارج ضرورية بإمكانها أن تخرج المسلمين من دهاليز زمن ثقافي لم يعد بإمكانه مسايرة سرعة التحولات الحضارية والثقافية والمجتمعية. وهنا بالذات باتت تطرح مسألة حتمية التحكيم بين الاعتماد على التشريع الإسلامي أو القانون الوضعي.

وفي هذا الجدل يخوض الباحث سامي الرياحي، أستاذ الحضارة الحديثة بجامعة تونس في كتابه “العرف والشريعة”، مؤكدا على أن استمرار الجمع السطحي بين مرجعين مختلفين من مراجع الفكر والتشريع ونمط العيش كرّس أزمة ما زالت الثقافة الإسلامية تتخبّط فيها منذ انبلاج فجر العصر الحديث.

تصور متعال عن منطق التّاريخ، حيث عرف المسلمون، في ظل تشبثهم بالشريعة، الاضطراب والبؤس والعنف

ويرى الباحث التونسي في كتابه أنه في حين أوجد الغربيون انسجاما بين نمط عيشهم وقيمهم وجعلوها تتفاعل تاريخيا مع التطور التدريجي لمقولة الحداثة، فإنّ المسلمين ظلّوا متمسّكين بزمن ثقافي ينطوي على تناقض بين القبول بالحداثة نمطا حضاريا وواقعا حتميا لا غنى عنه، والرفض لمقولاتها وقيمها التي تبدو لهم متعارضة مع أسس الضمير الدّيني الإسلامي.

ويقول الرياحي إنه إذا كان هناك اقتناع تام يبلغ حدود اليقين الجازم باستحالة تغيير هذا النمط بمنوال الزمن الثقافي التقليدي القائم في جوهره على مطلب إعادة تطبيق الشريعة وإحياء مفهوم الدولة الإسلامية عمليّا في صورتها النموذجية التي تحفل بها كتب التراث الديني والفقهي، فإنّ ذلك لا يعني بالضرورة طيّ صفحة الماضي بإشكالاته والتباس بعض مفاهيمه. إذْ لا تزال بعض قضاياه المسكوت عنها أحيانا عقبة أمام تحوّل المسلم المعاصر نحو إصلاح قيمه وفكره.

ويضيف “على الرغم من تضمّن الشريعة المستمدّة من هذا الماضي أحكاما قانونية متعارضة مع قيم العصر، فإنّها تظلّ في متخيّل المسلمين العاديين حاملة صورة المجتمع المثالي، ومصدرا من مصادر اليقين والحق، ووصالا تعبّديا مع الله، وسبيلا للسمو بالنفس”.

وأوضح أن وراثة التصور المثالي قد يكون لعصر الشريعة الخالي، باعتباره عصرا مثاليّا لم يعرف الاضطراب ولا التوتّر ولا دمار الطبيعة كما يراه المسلم اليوم، عاملا مساعدا على انتشار فكرة التشبث بالشريعة وحلا لإخفاق الحداثة في العالم الإسلامي في تحقيق طموحاتها.

وخلافا لهذا التصور المتعالي عن منطق التّاريخ، عرف المسلمون قديما، في ظل تشبثهم بالشريعة، مراحل من الاضطراب والبؤس والعنف والفساد والتمرّد والردّة والفشل أحيانا دون أن يؤول إلى انفصال تام ونهائي بينهما، وهو ما يجعل التساؤل قائما حول أسباب استمرار هذه المنظومة التي أرساها العلماء رغم كثرة المتغيرات.

سامي الرياحي: نحن أمام تحدي الانتقال من الشريعة إلى الاعتماد على العرف
سامي الرياحي: نحن أمام تحدي الانتقال من الشريعة إلى الاعتماد على العرف

وأكد الرياحي أنه في ظلّ استمرار تصوّر قائم على متخيّل ديني مثالي يحرّك وجدان الملايين من المسلمين عن صورة الشريعة، ألا يحقّ لنا القيام بمراجعات نقدّية غايتها رفع الالتباس عن واقعها الحقيقي، ومراحل التطور الفعلية لمفهومها، ووسائل تطبيقها في التاريخ؟ ثمّ أن نتساءل عن منوال الانتظام التشريعي والقانوني، الذي حكمهم طيلة قرون، وعن طبيعة الأحكام التي أوجدوها لتطبيقها على واقعهم؟ أَكانت الشريعة مجرّد منوال نظري جاف خاضع لمراتب المصادر والأدلّة الصارمة أم كان واقعها مختلفا عن الصورة التي رسخت في أذهان عامّة المسلمين؟ ألم تستخدم نخب الإصلاحات القانونية الحديثة الشريعة ذاتها مصدرا من مصادر القوانين في صياغة المنظومة القانونية الجديدة بما فيها الدساتير؟ أَكان ذلك عاكسا لارتباط وجداني بها أم يُظهر عُسر التخلّص من إرث تشريعي قديم ارتبط عضويا بمنوال دولة بات مستحيلا تحقّقها اليوم؟

وانطلاقا من ذلك جاء مدار بحث الرياحي الصادر عن مؤسسة “مؤمنون بلا حدود”، حيث تبيّن حدود سلطة العرف ضمن أدلّة أصول الفقه ومدى تأثيرها في صياغة أحكام الشريعة، ودراسة هذه الإشكالية وتحديد جملة من الفرضيّات المساعدة على بناء تصوّر متماسك لهذا البحث.

وتساءل الرياحي في بحثه عن أهميّة هذا الجدل في عالم حديث لم يعد فيه إنتاج الشرائع والقوانين حكرا على الأصوليين والفقهاء ومؤسّسات الفتوى دون سواها، بل من صنع الدّولة ومؤسساتها وهيئاتها الدستوريّة. فما الجدوى حينئذٍ من مناقشة أدلّة أصوليّة قديمة مثل الإجماع والقياس والعرف؟ وإذا كان بديهيا الاعتراف بانتماء تلك النّظريات القانونية إلى واقعها القديم واستجابتها لمقتضياته وما كان ينتظرها مقابل انعدام صلتها بالواقع الحديث الذي يمتلك نظرياته ومناهجه القانونية الخاصّة به بما يجعل الفارق بينهما قاطعا وواضحا، فهل يغدو الانتقال من أحدهما إلى الآخر حتميا وضروريا لا مهرب منه؟

وأضاف في الغالب تجنح بعض الأسئلة المطروحة أحيانا إلى طمس المشاغل الأساسيّة المفسّرة لوضع الإنسان وكينونته في مسار الزمان، بغضّ النّظر عن مشاغل واقعه الرّاهنة. ومن هنا قد يبدو مفيدا طرح بعض الإشكالات الجوهرية المتصلة بموضوعنا وهي: ما القصد من التشريع؟ وما الغاية من القوانين؟ أليس من الواجب بناؤهما وفق نظام أخلاقي أو فلسفي معيّن أم ينبغي فصلهما عن ذلك؟ ثم ما الصلة بين القانون والمعتقد الدّيني؟ وتحديدا ما هي علاقة المنظومة الفقهيّة الإسلامية القديمة بالنّظريات القانونية الحديثة ومناهجها؟

وأشار الرياحي إلى أن الإصلاح الدّيني ظل موضوع جدل طويلا بين النّخب المثقفة والأكاديمية طيلة القرنين السّابقين. وكان مجالا تصارعت فيه الأفكار بين أتباع الحداثة وأنصار التقليد. وارتكز موقف التيار الأول على استبعاد أيّ دور ممكن لنظريات أصول الفقه في صياغة قوانين العصر الحديث، فيما أصرّ عدد من باحثي الفريق الثاني على ضرورة خضوع الإصلاحات القانونية لمنوال قراءة معيّنة للتراث الفقهي الإسلامي.

ويؤكد الباحث التونسي على أنه ولئن لم ينتهِ ذلك الجدل إلى حسم نهائي يتجاوز مرحلة الصدمة والشكّ فلأنّ أسبابه ظلّت قائمة لعلّ أبرزها يعود إلى ما ظلّ يعتري أسلوب تفكير الفريقيْن من قصور. ومما يعكس ذاك المظهر هو استمرار الجدل بين رؤية ترى الحلّ في اندثار الشريعة وانقراضها بحكم فعل قوى الحداثة، وأخرى تتمثّل ذلك في ضرورة استبدال الإصلاحات القانونيّة الحديثة الشبيهة بالعرف الفاسد بما يوافق أحكام الشريعة ومبادئها مستقبلا. ومع أنّ النّظام القانوني الناجع يقتضي توافر معيارين كبيرين يتلخصان في:

أولا، أخذ خصوصية الواقع المستهدف تنظيمه في الاعتبار من خلال تقديم تصوّر شامل له دون الانخراط في معادلات تبسيطية واختزالية للواقع.

"العرف والشريعة" كتاب يبحث في جدل مواصلة المسلمين التمسك بزمن ثقافي لا يقبل الحداثة
كتاب يبحث في جدل مواصلة المسلمين التمسك بزمن ثقافي لا يقبل الحداثة

ثانيا، أهميّة الوفاء للنّظام القانوني التاريخي للشعوب وخلفياته الثقافية دون الوقوع في خطاب تمجيد تجارب الأقدمين أو استهجان تجارب الآخرين.

ورأى الرياحي أنّ التطوّر التاريخي الذي عرفه مفهوم العرف يبرز أنّ القانون في وضع تشكّل دائم ومستمر، وأنّ العرف جزء لا يتجزأ من السياق الذي يعيد بناء ذلك القانون وتشكيله من جديد.

ولفت إلى إنّ التعاليم الدّينية، التي ترافق عادة آيات الأحكام، تتخذ دائما صبغة أخلاقية غايتها تكريس قيم اجتماعية يقوم جوهرها على مبدأ الإنصاف، وقد يكون العرف في معناه الظاهري صيغة من صيغ تنظيم الواقع مُستمدّة من خلفيات وتصورات مرتبطة بسياقات اجتماعية وثقافية. إلا أنّ هذا التعريف قد يظهر في الغالب مضلّلا ومراوغا. ففي عمق الدلالة التجريدية العقلية يتطابق مع معنى الإنصاف. وهو ما انتبهنا إليه أثناء حفريات الدّلالة اللغوية الجامعة بين معاني الإحسان والانتظام والقبول والرّضا. فيكون جماع تلك المعاني مؤسّسا لمعيار أخلاقي في التعامل يسمّى باسم العرف.

وقال إنه على الرغم من ذلك إلا أنه لا يمكن إنكار أنّ التأويلية الأصولية القديمة، بحكم ما كان يتوافر لها من معارف وقيم وإكراهات سوسيو ثقافية، كانت تحوّل بيسر الصيغ العرفيّة المعتمدة إلى أحكام بسبب تداخل قيم الأخلاق مع قيم القانون والتشريع دون فصل أو تمييز مثلما هو الشأن في صلة العادة بالعرف. ويبدو أنّ المقتضيات التي كان يفرضها الواقع العملي هي من أسباب حصر المقاصد الأخلاقية والدّينية في الالتزام بتطبيق الأحكام التي كانت تصطدم دوما بواقع متغير وغير منضبط لتصورات بدت عاجزة عن التطوّر بعد القرن الثامن للهجرة/الرابع عشر للميلاد، وهو ما انتهى آليا إلى مأزق تشريعي خطير آل إلى استحالة تطبيق الشريعة في العصر الحديث.

وشدد على أنّ التحدّي الفعلي المطروح على المسلمين في العصر الحديث يتجسّد في انتقال التشريع الإسلامي من الاعتماد على العرف منطلقا عمليّا لمواجهة المشاكل التي يثيرها سياق معيّن إلى الاعتماد على القانون، ومن ثمّ التأقلم مع المنظومة الحقوقية الجديدة.

13