الهويات الإثنية واللغة والقومية في التحول الآسيوي

الأحد 2014/08/31
يتسم المجتمع الأندونيسي بتعدد اللغات والجماعات القومية

الدولة الوطنية العربية التي قامت بعد الاستقلال لم تواجه قضايا الواقع الاجتماعي المحلي بمكوناته الإثنية والدينية والطائفية المختلفة، وحاولت القفز فوق الواقع، لا سيما في مرحلة المد القومي، الذي غيّب تلك القضايا باعتبارها معوقات لتحقيق هدف الوصول إلى الدولة القومية، ما جعل تلك القضايا تظل تمثل تهديدا كامنا ومستمرا للاستقرار ووحدة المجتمع والأمن الوطني.

كتاب اللغة والقومية والتنمية في جنوب شرق آسيا الذي حرره لي هوك غوان وليو سيريادينانا، وشارك في كتابة أبحاثة مجموعة من الباحثين، والذي صدر بترجمة ياسر شعبان عن مشروع كلمة بأبوظبي، يقدم دراسة مستفيضة للنجاحات والإخفاقات التي واجهتها سياسات اللغة، في العديد من تلك الدول كأندونيسيا وماليزيا وسنغافورة والفلبين، والحلول الناجعة التي قدمتها تلك الدول للخروج من دوامة الصراعات المحلية، وصولا إلى الاستقرار وتحقيق التنمية المطلوبة.


قضايا الهوية


شغلت مسألة الهوية خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي حيّزا مهما من النقاشات الجريئة في العالم الغربي نجم عن التحول الذي أحدثه قيام الاتحاد الأوروبي من جهة، وعن تزايد أعداد المهاجرين القادمين من ثقافات وأعراق مختلفة.

وقد ركزت تلك النقاشات على ضرورة قيام مجتمع متعدد الثقافات يتم فيه احترام حقوق الأفراد الثقافية واللغوية، على خلاف ما يحدث في دول جنوب آسيا، التي ما تزال متأثرة بدرجة كبيرة بالمفهوم التقليدي للقومية، وهو ما ينطبق تماما على واقع الدول العربية التي تتألف من قوميات وإثنيات مختلفة.

الباحثون الذين أعدوا دراسات هذا الكتاب يركزون على إظهار تأثير العولمة على عملية الإدراك المتزايد للعلاقة بين اللغة والتنمية، من حيث امتلاك المعرفة العلمية لأغراض التنمية الاقتصادية، الأمر الذي يدفعهم للتركيز على دراسة سياسة اللغة في دول جنوب شرقي آسيا وعلاقتها ببناء الدولة القومية والتنمية، وصولا إلى الكشف عن تأثير تلك السياسات على صعيد تحقيق الوحدة القومية والترابط الاجتماعي، وتكوين الهوية القومية والعرقية بعد الاعتراف المتزايد بأهمية الوصول إلى حلول لها، وأهمية الدور الذي تلعبه على صعيد تحقيق التنمية.


اللغة كرمز


بحث في النجاحات والإخفاقات التي واجهتها سياسات اللغة، في أندونيسيا وماليزيا وسنغافورة والفلبين، والحلول الآسيوية للخروج من دوامة الصراعات المحلية

الدراسة الأولى تتناول تجربة دولة الفلبين على صعيد سياسات التعليم ثنائي اللغة، حيث تعتبر اللغة التالوجية هي اللغة القومية والرسمية التي يقبلها أغلب الفلبينيين كرمز لغوي قومي للوحدة والهوية، في حين تشكل اللغة الإنكليزية ميزة مهمة لا سيما على صعيد الوصول إلى فرص اقتصادية، ما جعل هذه اللغة منذ سبعينات القرن الماضي تحظى بمكانة متقدمة في التعليم والمجتمع، إلى جانب الدور الذي لعبته في تأسيس النظام التعليمي لأبناء الأثرياء على خلاف أبناء الطبقة المحرومة. أما في سنغافورة متعددة الأعراق والتي ركزت على دور اللغة في بناء القومية فإن ذلك لم يمنع أيضا من اعتماد إستراتيجية ثنائية اللغة الأم واللغة الإنكليزية.

وفي ماليزيا فقد لعبت سياسات المشاركة العرقية دورا مهما في الوصول إلى اتفاق بين الأعراق المختلفة يقيد لغة الملايو كلغة قومية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى السياسات التعليمية. لكن التطبيق الذي شوهته التفسيرات لاقى معارضة قوية من جماعات المجتمع المدني.

من جهتها عمدت فيتنام تحت تأثير العولمة إلى تغيير لغتها وسياساتها الإعلامية لكي تستفيد من الفرص التي منحتها العولمة ومن الهجرة الكبيرة للفيتناميين من خلال بناء قومية لا إقليمية عبر تدريس اللغة الفيتنامية لتلك الجاليات في الخارج واستخدام الإنترنت والبث الإذاعي والتلفزيوني لكن هذه السياسة كانت محدودة النتائج.


اللغة القومية


يتسم المجتمع الأندونيسي بأنه مجتمع متعدد اللغات والجماعات العرقية إلا أن اللغة الملاوية كانت هي اللغة المستخدمة بين القوميين في زمن الحركة القومية الأندونيسية في بداية القرن العشرين رغم أن تلك اللغة هي لغة إحدى الجماعات الأقلية.

الاحتلال الياباني ساهم في انتشار لغة البهاسا بعد أن ألغى اليابانيون التعليم الهولندي في البلاد. وبعد استقلال أندونيسيا حلت هذه اللغة محل اللغة الهولندية فكان على جميع المؤسسات والجهات الرسمية والتجارية والتعليم استخدام هذه اللغة الأمر الذي جعل القضية القومية الأندونيسية ترتبط باللغة البهاسية ارتباطا وثيقا ساهم في انتقال القيم القومية الأندونيسية للشعب.

الكتاب يبحث في دور اللغات في بناء المجتمعات

هذه السيادة للغة البهاسا لم تمنع من وجود ثلاث لغات هي اللغة القومية واللغة المحلية التي يستخدمها سكان الأقاليم واللغة الأجنبية المستخدمة في التواصل مع الأجانب وقد لعبت كل واحدة منها وظيفة اجتماعية.

إن وجود كل هذه اللغات جعل إجادة الطلاب للغة القومية غير جيدة ما تطلب بذل جهود لتطوير هذه اللغة إلا أن التحديات التي فرضتها العولمة جعلت أندونيسيا تولي اللغات الأجنبية مزيدا من الاهتمام.

لقد لعب الأدب المعاصر ومازال أدوارا في تشكيل رؤى أفراد الشعب لبلادهم وبعد أن كانت الأعمال الأدبية تكتب باللغة الملاوية الصينية لا تحظى بالتقدير صار كبار الناشرين يعيدون كتابتها وباتت الأطروحات الجامعية تركز عليها لكن الحركات اللامركزية أخذت في السنوات تطالب بالاعتراف بالأعمال المكتوبة باللغات الأخرى، ما يجعل مستقبل الأدب الأندونيسي متعدد الثقافات، مرتبطا بهذا الانفتاح والتعددية والتواصل متعدد الثقافات.


ثقافة الأغلبية


إن كثرة الأعراق وتعددها في دولة مثل ميانمار (135عرقا) جعل اللغة مصدر المشكلات الحقيقية التي تواجه قيام القومية الميانمارية، على الرغم من محاولات الحكومات الاشتراكية والعسكرية هناك لصبغ الشعب الميانماري بأكمله بالصبغة البورمية، لا سيما بعد جعل تلك اللغة هي اللغة الرسمية للبلاد.

إن وجود اللغة القومية لم يمنع الحكومات هناك من السماح للأقليات العرقية بالقيام بالأنشطة الثقافية وبحرية التحدث والتعبير بلغاتها.

والغريب أن فرض اللغة البورمية في التعليم لم يثر أي استياء في مناطق الأقليات نظرا للسماح لها بتدريس لغاتها في الفصول السابقة للتعليم الجامعي، لكن الحكم الاشتراكي الذي قام في بداية الستينات من القرن الماضي سارع إلى إغلاق مدارس الإرساليات، في خطوة لجعل اللغة البورمية هي الوسيط الوحيد للتعليم في جميع فصول التعليم الجامعي وما قبل الجامعي، ورغم ذلك لم تمنع الأقليات من الاهتمام بثقافاتها وتطويرها.

وتظهر الدراسات المفارقة التي قامت عليها سياسات الحكومة العسكرية إذ رغم موقفها المعادي للاستعمار راحت تولي قدرا كبيرا من الأهمية للغة الإنكليزية.


هرم لغوي


تعد تايلاند أقل دول جنوب شرقي آسيا من حيث المشكلات الناجمة عن تعدد الأقليات العرقية فيها بسبب الاختلاط الذي قام فيما بينها بسبب الظروف التاريخية التي عاشتها البلاد.

هذا الوضع المستقر جعل الهرم اللغوي فيها موازيا للهرم الاجتماعي داخل المجتمع دون أن تظهر هناك أيّ منافسة بين هذه اللغات أو الجماعات العرقية، وذلك لأن لكل لغة أو جماعة دورها ووظيفتها ومكانتها داخل المجتمع.

إن وجود أربع لغات تايلاندية إقليمية جعل لغات الأقليات غير تايلاندية، وبالتالي جعلها تحتل مرتبة أقل في هرم اللغات، في حين أن اللغات الكلاسيكية والدينية كالبالية والعربية غير موجودة في هرم هذه اللغات.

ومن أجل حل مشكلة اللغات غير التايلاندية تم اختيار سبع لغات لتمثيل اللغات الأجنبية والدينية ولغات الأقليات.
تكشف الدراسات في هذا الكتاب أن اللغة ما تزال تشكل قضية خلافية، وتباينت السياسات في دول جنوب شرق آسيا حيالها

وتكشف الدراسة أن تصنيف السكان التايلانديين على أساس اللغات التي يتم التحدث بها يظهر أن السكان يتوزعون على ستين جماعة عرقية، لذلك لجأت تايلاند إلى وضع سيناريو لغوي يتألف من ثلاث مستويات اجتماعية لغوية. ورغم ذلك فإن اللغات الأجنبية كالإنكليزية والفرنسية ظلت موجودة وزاد الاهتمام بها.


سياسات متباينة


تكشف الدراسات في هذا الكتاب أن اللغة ما تزال تشكل قضية خلافية، تباينت السياسات في دول جنوب شرق آسيا حيالها، ففي حين كانت السياسات في البداية تركز على بناء قومية أحادية اللغة ظلت الجماعات العرقية المختلفة تتحدث لغاتها الخاصة بوصفها جماعات ثقافية لها الحق في تكلم لغتها.

لذلك اختلفت سياسات تلك البلدان إذ اتسم بعضها بالتشدد، بينما اعترف البعض الآخر بحق الاختلاف واستخدام اللغات الخاصة بكل مجموعة، وذلك تحت الضغط الذي شكلته متطلبات التنمية في هذه البلدان، لا سيما بعد ظهور العولمة والتحديات التي فرضتها عليهم.

12