الهوية الأمازيغية هي الأصل في المنطقة المغاربية

الثلاثاء 2017/04/04
تأثيم للحركات الأمازيغية

لئن قطعت بلدان شمال أفريقيا شوطا لا بأس به وإن كان شكليا في الاعتراف بالحقوق الثقافية للأمازيغ، فإن الطريق مازال طويلا وشائكا للوصول إلى جو تطمئن فيه النفوس لتسمح بتواصل العقول وضمان وحدة المجتمع وترسيخ الأخوة بين مختلف مكوناته.

رضخ النظامان في كل من الجزائر والمغرب إلى بعض مطالب الحركيين الأمازيغ ذات الرمزية الكبيرة كدسترة اللغة الأمازيغية واعتبارها لغة وطنية، كما تبدي السلطات التونسية بعض المرونة في نظرتها إلى المكون الأمازيغي بعدما كان مقموعا بقوة قبل ثورة الياسمين، ولو أن المطالب التي رفعتها جمعية المحافظة على الثقافة الأمازيغية والجمعية التونسية للثقافة الأمازيغية وغيرهما والمتعلقة بدسترة الاعتراف بالحقوق الثقافية الأمازيغية لم تجد صدى داخل البرلمان.

كل هذا يعود إلى استبسال وتضحيات المناضلين في بلدان المغرب الكبير منذ سنوات من أجل إعادة الاعتبار للثقافة الأمازيغية وكانت ثورة الربيع الأمازيغي بمنطقة القبائل الجزائرية سنة 1980 أهم وأعنف محطة، حيث وصل الصراع إلى أقصاه وسقط على إثره العشرات من القتلى وزج بالعشرات في السجون. ومن جهة أخرى، كان الانفتاح الرسمي النسبي على الخطاب الثقافي الأمازيغي في المغرب والجزائر في السنوات الأخيرة بسبب العامل الدولي وعلى الخصوص الانتشار الواسع لخطاب حقوق الإنسان.

أنجع دواء لاحتواء النزعات الانفصالية إحداث قطيعة مع التهميش والعنف الرمزي تجاه الهوية الأصلية وإرساء هوية سياسية تكون انعكاسا للهوية الثقافية الحقيقية لا المزيفة

ولكن إن حاولت الأنظمة أن تشتري سلما اجتماعيا وتحسين صورتها أمام المنظمات الحقوقية العالمية، فإن المجتمع المدني الذي خلقته في الماضي على مقاس أيديولوجيتها والمتكون أساسا من العروبيين والإسلاميين بهدف ضرب القوى الديمقراطية تستعمله اليوم في ضرب الحركة الأمازيغية باعتبارها حركة إصلاحية ديمقراطية متفتحة على المساواة الثقافية والحداثة وحقوق الإنسان. وأصبح الحلف العروبي الإسلامي يحارب بالوكالة دعاة التعدد اللغوي والثقافي، مروّجا أنهم انفصاليون ومعادون للغة العربية والدين الإسلامي، في حين أن تلك كلها اتهامات لا أساس لها من الصحة إذ لم يكن أنصار الثقافة الأمازيغية في أغلبهم عنصريين ولا انفصاليين ولا معادين للعروبة ولا للدين الإسلامي، بل تعنت السلطة وحلفائها العروبيين والإسلاميين ورفضهم الحوار واحتقارهم للمطالب الأمازيغية من أسباب ما دفع بعض الشبان إلى المطالبة بالانفصال.

ومع ذلك بقى التطرف على هامش الحركة المطلبية الثقافية في كل أقطار المغرب الكبير. وحتى وإن طرحت قوة اجتماعية ما فكرة لامركزية الدولة في إطار فيدرالي، فهل يعني أن أصحابها انفصاليون؟ وحتى وإن راودت فكرة الانفصال كمشة من الشبان نتيجة يأس وقمع كما سبق وأن قلنا، ألا ينبغي الحوار والمناقشة وترك الرأي العام يحكم على الفكرة ويهمشها في غالب الأحيان كما يتم في كل البلدان المتقدمة، بدل اتخاذ ذلك مبررا لتعطيل الاعتراف بمطالب الأمازيغ الشرعية الذين يمثلون الأغلبية الساحقة، بدعوى الحفاظ على الوحدة الوطنية ومواجهة التقسيم؟

وعلى عكس ما يدعي عاشقو الوحدة القومية واللغوية والدينية، لا نجد في جميع الوثائق المنشورة من طرف التنظيمات الأمازيغية على طول المغرب الكبير أثرا للفكر الانفصالي أو العنصري، بل تؤكد أدبياتها على أن القضية الأمازيغية قضية كل المواطنين وعلى أنها قضية ديمقراطية وليست عرقية.

كيف يمكن لسلطة لا تعترف بأهم مكونات المجموعة الوطنية وأعرقها والمتمثلة في التاريخ واللغة والثقافة الأمازيغية أن تضمن الوصول إلى وفاق وطني؟ كيف يمكن ادعاء الدفاع على الهوية الوطنية حينما يتم اتهام كل من يطالب بتثمين الإرث الأمازيغي بمعاداة العروبة والإسلام والوطن؟

قبل اتهام أي طرف بالنزعة الانفصالية أو الجهوية أو الخيانة الوطنية ينبغي أولا البدء بإيقاف التوظيف الأيديولوجي والتحريف الممارس على تاريخ شمال أفريقيا في المنظومة التربوية هل من المعقول أن يدرس تلاميذ المنطقة كلها تاريخا مستوردا؟ أليس من الطرافة مثلا أن نفرض ما يسمى “مرحلة جاهلية” على أنها مرحلة من تاريخهم الوطني؟ كيف يمكن التشدق بالانفتاح واحترام الهوية الوطنية والاسم الأمازيغي مازال محاصرا إذ يتكرر إلى اليوم منع تسجيل المواليد الجدد بأسماء آبائهم وأجدادهم وأمهاتهم وجداتهم؟

أنظمة ما بعد الاستقلال وظفت المسألة الأمازيغية في سياستها الإقصائية، إذ أخرجت تهمة المساس بالوحدة الوطنية والعنصرية الجاهزتين لكل من يعارض نهجها التسلطي.

أنجع دواء لاحتواء النزعات الانفصالية ومجابهة التدخل الأجنبي هو إحداث قطيعة مع سياسة التهميش والعنف الرمزي تجاه الهوية الأصلية.

12