الهوية الثقافية لا تبدل

الأربعاء 2016/08/31

في ظل الفوضى الدائرة حاليا في عموم المنطقة العربية، يسعى البعض من العابثين المغامرين للتشكيك في الهوية الثقافية العربية، محملينها مسؤولية ما يجري حاليا من حروب أهلية وضياع للثروات وتآكل في النخب الفكرية، داعين إلى تبني هويات افتراضية مبنية على وعي استشراقي؛ قسّم شعوب المنطقة القديمة وفق معايير أكاديمية معينة لتسهيل دراستها، وهذا التقسيم، في واقع الأمر، لا أساس له، فما هي الحدود بين الآكادي والسومري غير الألواح الكتابية، وما هو الفارق بين الآرامي والفينيقي غير التسميات الأكاديمية؟ وما الفائدة من استدعاء “إثنوسات” منقرضة، ومنطق الحياة هو الحركة والتطور؟

ونحن في نهاية المطاف خلاصة تطور وتفاعل شعوب المنطقة القديمة في حركيتها، وإن نتحدث الآن اللغة العربية. وإن تناولنا موضوع اللغة فسنجد أن العربية التي نستعملها اليوم، هي محصلة للغات السامية القديمة كلها، وفيها كمّ لا بأس به من اللغات السومرية والفرعونية واليونانية واللاتينية والفارسية والتركية.
وفكرة النقاء اللغوي غير صحيحة ولا تنسجم مع حركة التاريخ، ولدينا النموذجُ الكماليّ في تركيا مثالا حيا على هذا العبث، إذ احتاجت الدولة التركية لجهود جبارة وميزانيات ضخمة لنقل التراث التركي المكتوب بالحرف العربي إلى الحرف اللاتيني، ولا تزال هذه المعضلة معلقة حتى اليوم لا يستطيع أحد حلها أو البت فيها.

يتوهّم هؤلاء المغامرون أن استبدال الهوية الثقافية يماثل في سهولته استبدال الملابس، وإن نجح في نطاق ضيق لمجموعة تبنت هذا الفكر الاستبدالي، فما هو حال الأكثرية؟ هل سنعود إلى عصور الاستبداد الشيوعية التي مارست هذه السياسات التدميرية الشنيعة في حق شعوب كثيرة؟ أم أن هنالك طرقا أخرى؟ وحتى النظام الشيوعي في الاتحاد السوفييتي السابق كانت لديه هوية ثقافية روسية، رغم أنه لا يعترف بالقوميات، والأممية كانت دينه وديدنه!

الهوية الثقافية العربية ليست وليدة أنظمة القمع، ولا هي ابنة الأحزاب القومية التي اجتاحت المنطقة منذ منتصف القرن العشرين، بل هي تراث متجذر في وعي أبناء المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج، ومنذ الأزمنة السحيقة. فكم من كتاب وُضع حول شعراء المعلقات في الأندلس والمغرب ومصر والعراق والشام قبل بروز فكرة القومية العربية؟ وما هي كتب اللغة والتاريخ التي أُلّفت في هذه البلدان خلال الألف عام الأخيرة؟ إنها كتب الأدب العربي والتاريخ العربي، فكيف يتصوّر البعض أن هذه الهوية الثقافية وهمية، وأن هوية ثقافية أخرى يمكن إحياؤها؟

هذا الكلام لا يتنافى ولا يتناقض مع حقوق الأقليات في إحياء ثقافاتها، ولا مع توسيع المعارف ورفد الهوية العربية بالمزيد من الرموز الثقافية والفكرية التي كانت غائبة عنها لأسباب تتعلق بعوائق اللغة، حيث أن الكثير من تراث منطقتنا كتب باللغتين اليونانية واللاتينية حين كانتا سائدتين في العالم القديم؛ فهذا شيء، وحرق التراث العربي الإسلامي والتبرّؤ من هذا التاريخ شيء آخر.

كاتب من سوريا

14