الهوية الطائفية

الجمعة 2014/05/23

تكاد تكون فكرة الهوية من أعقد المسائل المطروحة في العالم العربي، في ظل النزاعات والحروب، سواء داخل البلد الواحد، بين أبناء البلد ذاته، أو بين البلد وغيره، ولا سيما الصراع مع الآخر الأجنبي ـ المختلف بشدة.

من ضمن أزمات الهوية والانتماء، تضيق دوائر الانتماءات، وتصل في الأزمات خاصة، إلى التشبث بالصور البدئية للهوية، أو التي يمكن وصفها بالهوية البيولوجية، كالاحتماء بالعشيرة، أو القبيلة، أو اسم العائلة، أو الديانة، أو حتى الطائفة، وهذه تعني الابتعاد تماما عن الهويات الأخرى، تلك التي يشتغل أحدنا عليها خلال حياته، ليخرج من الدوائر الضيقة، إلى انتماءات وهويات أوسع.

فأن يولد أحدنا في بيئة ما، أو من طائفة ما، أو من ديانة ما، أو من عرق ما، ثم يُمضي حياته، في ولاء أعمى، لهذا الانتماء البيولوجي الأول، دون أن يقوم بإعمال النقد والتقييم، لمكونات البيئة الأولى التي وُلد فيها، فإن هذا الولاء، يمكن وصفه بالطائفية من جهة، وبالتعصب من جهة أخرى. بمعنى، أننا نستطيع أن نصف شخصا ما بأنه طائفي، حين يتعصّب للطائفة التي وُلد فيها. ولكن ماذا يمكن أن نقول، عن المجموعات الحضارية الهائلة، التي جمعت أفرادا اشتغلوا على نقد مكوناتهم الجمعية، وحللوا انتماءاتهم، وأعادوا النظر فيها، بل واختاروا انتماءات إضافية، خارجين عن المفهوم الجمعي للهوية، وتعاملوا مع العالم بوصفهم كائنات فردية عقلانية، تخرج على فكر الجماعة والعائلة والعشيرة، لتذهب إلى انتماءات أعلى، ترتبط بمفهوم الإنسانية، وتخرج عن الولاء الطفولي، الذي قد تتبدّى أولى صور تمرده، على الخروج عن صورة الأب، ورفض العيش في “جلبابه”؟

العيش الحضاري، هو ذلك العيش الواسع، الذي يختار فيه الإنسان الانتماء إلى مجموعات إنسانية تحقق أمنه وحاجاته، ومن هنا جاء مفهوم العقد الاجتماعي، ومفهوم الدولة، ومفهوم المواطنة، وجميعها تسميات اتفاقية، تهدف إلى طمأنة الإنسان، وتُعليه على مجرد الانتماء البيولوجي الضيّق وتوسّع فهم الهوية، وتتعامل معه كفرد في المجتمع، يختار طوعا العيش مع أفراد آخرين، يتقاسمون الحقوق والواجبات، ويسعون إلى تطبيق العدالة والمساواة.

بمعنى آخر، العقد الاجتماعي الاختياري، يتعارض أحيانا مع الانتماء الطائفي المفروض. مع تقدير العنصر العاطفي، إذ يحق لكل منا الارتباط بالمكونات الأولى على ألا يتناقض هذا الارتباط مع النقد، وعلى أن نكبر على فهم الأطفال لصورة الأب أو الأم، على أنهما الأفضل في العالم. الطائفية هي الولاء للأب بكل صوره، ورفض النقد، وتعني القطيعة مع العقل والحضارة.

كاتبة من سوريا

15