الهوية العربية.. ومن يزدريها

الاثنين 2013/11/25

يمكن أن نغيّر أيدولوجياتنا وأفكارنا ولغتنا وأوطاننا وجنسيتنا ومذهبنا وطائفتنا وحتى ديننا، يمكن لنا تغيير كلّ ذلك بالسهولة نفسها التي نغير بها مكان سكننا.

لكن انتماءنا القومي، وهو سمتُنا العرقيّة والثقافية والحضاريّة التي ولِدت معنا وبها نختلف عن شعوب أخرى لها انتماءاتها القومية أيضا، لن نستطيع أبدا أن نتقصى منها وننزعها عنا، وإن فعلنا لن نقنع الآخرين، فالعنوان القومي يبقى علامة أساسية لفرز الفروقات الشكلية بين هذا الشعب وذاك.

لذا، فمن الطبيعي أن لا ننكر أو نتنكَّر أو نخجل من هويتنا العربية، وفي الوقت نفسه لا نرى من الطبيعي أن نشعر بالفخر والغرور فقط لأننا نحمل هذه الهوية ونعيش في سياق اشتراطاتها الحضارية.

ومن ثمة فإنه ليس من الطبيعي أن يشتمنا آخرون ــ بمناسبة وبدون مناسبةــ لكوننا عربا.

وليس من الطبيعي أيضا أن نحتقِرَ الآخرين لأنهم فقط لايحملون هويتنا العربية.

أسوق هذا الكلام لأنني أجد الكثير من الكتابات هذه الأيام على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي على غرار تويتر وفيسبوك تنضح شتائم وإساءات واضحة لكل ما له صلة بالهوية العربية سواء أكانوا أشخاصا أم وقائعأ م تواريخ حتى ما كان منها سليما وليس هناك ما يدعو إلى الطعن فيه والإساءة له.

ولعلما يدعو إلى الاستغراب في هذا الأمر هو أن نجد تلك الكتابات تُحمِّلُ العرب - وكلمة العرب هنا بمفهومها المطلقة- كل أخطاء وجرائم الساسة والحكام، ماضيا وحاضراً.

إذ كثيرا ما وقفنا على سلوكيات وأقوال وكتابات تسحب سلوك الحاكم على حال المحكوم وتحاسبه عليه.

فهل يصح مثلا أن يُختصر شعب بأسره، بزعيم ارتكب جرائم بحق شعب آخر؟ وهل يصح النظر إليه باحتقار مثلما ينظر إلى ذاك الزعيم؟

وهل يصح أن تنسب إلى الشعب بِرُمَّتهِ مسؤولية تلك الجرائم؟

الحقيقة أن هكذا سلوكا يحيل إلى عدم التبصّر بواقع الأمور وقلّة في التمييز بين السلطة ورمزها وبين الشعب الذي يخضع إلى تلك السلطة وتسري عليه أوامر ذاك الحاكم.

وإنّ مثل هذا الموقف، خاصة إذا ماعبّر عنه مثقفون -بما يعكس من خلط للقيم وتشويه للمفاهيم الإنسانية- يحمل في داخله بذرةَ خطيئةٍ، لأن سياقه قائم على التعميم والإطلاق، وفيه ابتعاد عن الموضوعية، وإقصاء للمنطق وماتفرضه المسؤولية العلمية من بحث وفرز وتصنيف للوقائع قبل تقييمها.

هذا إضافة الى مايحمله من موقف عنصري لا يمكن إخفاؤه.

وفي نهاية الأمر، أقول إن هذا الموقف المنافي للحقيقة، تنبعث من مفرداته رائحة لايخطئ المرء في تمييز عفنها الفكري الذي تنبعث منه مشاعر الازدراء والاحتقار لكل ماهو عربي، ويعكس بشكله ومضمونه ازدواجية الفهم والمعايير في رؤية الذات فب علاقتها بالآخر.

14