الهوية ظاهرة ثقافية متغيرة ومتحولة

السبت 2014/08/30
بتلر: من الممكن أن ننتحل مجددا أو نكرر الذات بطرق مختلفة

في إطار سلسلة منشورات دار نشر روتليج المكرسة للمفكرين والمفكرات النقديين والنقديات، صدر للدارسة سارة صالح، الأستاذة بجامعة تورنتو الكندية، كتاب بعنوان “جوديث بتلر”، وفيه تدرس أعمال هذه المفكرة الأميركية، التي تصنف إلى جانب جوليا كريستيفا وغياتري سبيفاك ولوس إيريغاري، كصوت نقدي نسوي بارز في وقتنا الراهن.

يتضمن كتاب سارة صالح مقدمة تمهيدية مخصصة لشرح الأسباب التي دفعتها إلى تأليف هذا الكتاب حول أعمال جوديث بتلر، وخمسة فصول تدرس فيها بتدرج وعمق واضح، الأفكار المفتاحية لهذه المفكرة وهي الذات والجنوسة والجنس واللغة، والنفس، فضلا عن خاتمة ترصد فيها آفاق النظرية النسوية بعد جوديث بتلر.


التجربة الفكرية


من المعلوم أن النقاد والدارسين المعاصرين المتخصصين في دراسات النوع الجنسي “الجنوسة” قد أجمعوا على أن الناقدة والمفكرة الأميركية جوديث بتلر قد تمكنت من تثوير فهمنا للهويات وللكيفية التي تبنى بواسطتها، وذلك منذ ظهور كتابها المثير للجدل “مشكلة النوع الجنسي: النسوية وخرق الهوية” (1990).

من المعروف أن جوديث بتلر قد بدأت أيضا حياتها الأكاديمية بكتابها الموسوم بـ”ذوات الرغبة: تأملات هيجيلية في فرنسا القرن العشرين” (1987)، وفي عام 1993 صدر لها كتاب آخر يعتبر تكملة وتطويرا للنظريات والأفكار المحورية التي تضمنها كتابها مشكلة النوع الجنسي وعنوانه «الأجسام التي تهم: حول الحدود الحوارية لـ”الجنس”» ومن ثمّ توالى صدور سلسلة من العناوين منها “الخطاب المثير: سياسات الأداء” (1997)، و”الحياة النفسية للقوة: نظريات في الإخضاع”. وغيرها من الدراسات والمحاضرات، وهي في مجموعها تشكل مدونة فكرية نقدية لها مكانتها في مشهد الفكر النسوي الغربي المعاصر.

كل كتب بتلر تطرح أسئلة حول تشكل الهوية والذاتية، حيث تقتفي آثار العمليات التي نصبح بواسطتها ذواتا

والجدير بالذكر هنا هو أن التجربة الفكرية لجوديث بتلر قد تأثرت بقوة بعدد من المرجعيات وفي مقدمتها فلسفة هيجل، وخاصة كتابه فينومينولوجيا الروح، ونظريات فينومينولوجيات كل من إدموند هوسرل، وهايدغر وسارتر وموريس ميرلو بونتي، إضافة إلى ميشال فوكو، ومرجعياتها هذه هي التي تتحدد على نحو خاص في الجزء الأول من كتاب تاريخ الجنسانية، ومدرسة فرنكفورت، وتياري البنيوية (دي سوسير، كلود ليفي ستروس، جاك لاكان، رولان بارط) وما بعد البنيوية (جاك دريدا، بول دو مان) وغيرهم كثير.


مفهوم الهوية


يلاحظ القارئ من مجمل أعمالها، أن بتلر تقيم حوارا خصبا مع النظريات والمشاريع الفكرية لكل هؤلاء، وتنقل هذا الحوار بأسلوبها الخاص إلى النقاش المحتدم بخصوص هويات النساء، وعلى وجه الخصوص إلى فضاء الأدبيات التقليدية الغارقة في ثقافة الانحياز الذكوري، والفكر النظري، الذي يفسر الهوية على الأساس البيولوجي المسبق والثابت، وكذا التصنيف المرضي الذي يكرس مقولة الشذوذ عند نمط من الرجال والنساء.

سأركز في هذا العرض على نقطة مركزية، وهي: مفهوم الهوية عند جوديث بتلر، في إطار سعيها إلى تحرير المرأة من قيود الثقافة الذكورية. في البداية تنطلق سارة صالح في تبيان أهم خصائص تميز فكر جوديث بتلر، قائلة: “من المحتمل اعتبار تنظيراتها للهوية المجندرة (المجنوسة)، والمجنسة بمثابة تدخلاتها الأكثر أهمية في النظام المتنوع للحقول الأكاديمية التي ترتبط بها”.

وترى سارة صالح أن كتابات بتلر تتحدّى التصنيف السهل، وعلاوة على ذلك، فإن هذا الجزء هو ما يكوّن التحدي الذي يصادفه القراء والدارسون في كتاباتها. في هذا السياق بالذات تخلص سارة صالح إلى القول: “كل كتب بتلر تطرح أسئلة حول تشكل الهوية والذاتية، حيث تقتفي آثار العمليات التي نصبح بواسطتها ذواتا، عندما ننتحل الهويات المجنسة والمجنسنة والعرقية التي تبنى لنا -وإلى حدّ ما من طرفنا- بداخل بنيات القوة القائمة”.


الذات والهوية

بتلر تتحدى التصنيف السهل في معظم أعمالها


ومن جهة أخرى تستنتج سارة صالح من دراساتها لكتابات بتلر النتيجة التالية: “إن الذات عند بتلر ليست الفرد، وإنما هي البنية اللسانية في حالة التشكل”، وبعبارة أخرى فإن “الذات ليست معطاة مسبقا، ولأن الذات هي دائما منخرطة في عملية الصيرورة التي لا تنتهي، فإنه من الممكن أن ننتحل مجددا أو نكرر الذات بطرق مختلفة”.

أريد هنا توضيح النقاط التالية، وهي أن نظرية جوديث بتلر في الهوية هي تركيب تضافري لنظريات متنوعة، لكل من جاك لاكان وميشال فوكو ولوي ألتوسير وسيمون دي بوفوار، وجاك دريدا وغيرهم.

إن جاك لاكان قال في أكثر من مكان بأن الهوية هي نتاج لدخول الإنسان في مرحلة السجل الرمزي السابق للذات، حيث تكون بنية اللغة جزءا أساسيا منه، في حين أن سيمون دي بوفوار كانت قد أعلنت في كتابها “الجنس الثاني” أن المرأة لا تولد امرأة، وإنما تصبح امرأة، أما ألتوسير فقد دافع عن أطروحته القائلة بأن الهوية هي عرض ونتيجة لشبكة أجهزة الدولة الأيديولوجية، بما في ذلك الأجهزة القمعية وتلك الأجهزة الأيديولوجية الناعمة التي تعمل بالتسويغ والترغيب. في هذا السياق دائما نجد فوكو يعتبر صورة الجنس باعتباره شكلا من أشكال الهوية في التراث الأوروبي، نتيجة للخطابات بكل تنوعها، وفي المقدمة خطابات الطب العقلي، والسجون، والاعتراف بخطايا الجسد، والإنجاب وهلمّ جرا.

لا شك أن نزع صفة الثبات عن الهوية، يمثل حركة تقدم في النظرية، كما أن إقصاء أسبقية الهوية على الثقافة واللغة والقيم الاجتماعية وأجهزة الدولة الأيديولوجية أمر مهم، لأن الهوية ظاهرة ثقافية متغيرة ومتحولة، ولكن هناك مشكلة كبيرة تطرح علينا هنا، وينبغي معالجتها، ودون ذلك فإن الهوية تبقى غير فاعلة، وتسقط في فخ التبعية والجبرية.

بناء على ما تقدم نتساءل: إذا كانت الهوية، هي دائما، نتيجة وأثرا، فكيف يمكن لصاحبها أن يضمن استقلاليتها وفاعليتها بعيدا عن جبرية قامعة للحريات تفرضها العناصر السابقة عليها، والتي شكلتها منذ اللحظة الأولى؟ أعتقد أن هذا السؤال مهم جدا لأنه يطرح مسألة الحرية، أي مدى قدرة الفرد على صياغة هويته واختيار موقعها، ودورها في التاريخ في ظل الموروث السابق له، سواء كان على وعي به أو كان غير واع بأثقاله القائمة والمضمرة في اللاوعي الفردي والجماعي؟

لاشك أن جوديث بتلر منتبهة لهذه المسألة ولذلك نجدها توجه، مثلا، نقدا قويا للوي ألتوسير والحتمية الأيديولوجية التي يكرسها كشرط لبناء الهوية التابعة والخاضعة. في هذا السياق تقترح بتلر مخرجا لصنع الهوية الفاعلة، وذلك بتوفير مناخ وسبل للنفس لكي تواجه وتتجاوز القانون كقوة وكسلطة قمعية، وأن نجعلها تبتعد عن أسلوب التملص والتهرب منه.

17