الهوية والإعلام التثقيفي

الأربعاء 2015/04/29

ليس المقصود بالهوية تلك البطاقة التعريفية الشخصية التي يحملها الفرد ليثبت من هو وعمره ومكان سكنه. وإنما المقصود هنا هو كينونة الشخص الوجدانية والفكرية والعاطفية، وفي واحد من أوائل المعاجم الاصطلاحية في التراث العربي، ألا وهو معجم “التعريفات” الذي يحدد معاني المصطلحات المستخدمة في الفنون والعلوم والآداب للشريف الجرجاني (740-816 هجري – 1339 -1413 ميلادي)، وهو غير عبدالقاهر الجرجاني، مؤسس علم البلاغة (400 -471 هـجري – 1009 – 1078 ميلادي).

يعرف الشريف الجرجاني الهوية بأنها “الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة”، يعني هوية الفرد هي النواة التي تصدر وفقها أفعاله وترسم كينونته.

وفي الكتابات الفكرية تعريفات عديدة للهوية منها وأوضحها “هي مجموع السمات الروحية والفكرية والعاطفية الخـاصة التي تميـز مجتمعـا بعينـه وطـرائق الحياة ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات والموروثات والتراث”، بحيث يصبح للمجتمع أو للأمة ما يميزها عن غيرها.

وهوية الفرد تحتم عليه الولاء لتلك الهوية، والولاء كمصطلح يشير إلى تلك الرابطة العاطفية التي تربط الفرد بوطنه أو قومه أو بفئة أو مهنته أو مؤسسة أو بجماعة، وبما أنها رابطة عاطفية فإنها تتم عن اختيار ورضا وشعور يتمثل في الإخلاص الطوعي لا يمكن إجبار أحد عليه، فهو إخلاص غير مشــروط.

وهناك تعريف موجز لمفهوم الولاء، قال به المفكر الأميركي (جوزيا رويس) الولاء “هو إخلاص شخص لموضوع إخلاصا طوعيا وعمليا غير مشروط”، بمعنى أن الــولاء قيمــة يتبناها الشخص لذاتها، وقد يكون ولاء لدين أو وطن أو جماعة، أو فئة أو شخص أو مؤسسة أو مهنة أو فكرة ولا يقوم الدليل عليها إلا من خلال آثارها العملية والسلوكية.

لقد توسع مفهوم الولاء ليتجاوز الولاء الوجداني إلى الولاء “الاستهلاكي” في مجال التسويق، لخلق ولاء الزبائن لمنتج أو لعلامة تجارية أو اسم تجاري عن طريق ضخ الإعلان التجاري الموجه للمستهلك لتثبيت ولائه وتعلقه بذلك الصنف من البضاعة.

وكما يحتاج الولاء الاستهلاكي إلى ترويج ودعاية وإقناع، يحتاج الولاء الوجداني للهوية إلى تثقيف وترويج وتنوير، وهنا يأتي دور الإعلام المؤثر بوسائله المتعددة، كمنابر للتثقيف والتنوير في تجسيد إيجابيات الولاء للهوية، ومن المؤكد أن الولاء غير الانتماء، فالفرد قد ينتمي إلى نقابة أو ناد أو فريق رياضي أو مهنة ولكنه ليس بالضرورة أن يكون انتماؤه ولاء لتلك المهنة بينما الانتماء للهوية يحتم الولاء.

ويصعب على غير المشتغلين أو المهتمين بالثقافة والفكر أن يقوموا بدور تنويري فاعل وحيوي في الإعلام الثقافي، وأود أن أقول الإعلام التثقيفي، سواء أكان ذلك في الإذاعة أو التلفزيون أو الصحافة أو المواقع الإلكترونية، ومن هذه الرؤية تتضح أهمية أن يكون الإعلامي الذي يود أن يضع أو يصيغ أو يخطط أو ينفذ برامج وسياسات الإعلام التثقيفي التنويري على دراية بالثقافة والتثقيف في الحفاظ على الهوية، في وقت تتزاحم فيه البرامج الجذابة والمغرية والتي قد تكون ضد الهوية والانتماء، بل ربما تتنافس لطمس الهوية الوطنية ليس فقط في عولمة الاقتصاد وإنما في عولمة الثقافات، بل وحتى في “عولمة العواطف”.

إن انطلاق الإعلامي والمثقف من وعيه بطبيعة مكونات هوية أمته التي ينتمي إليها وقناعته بهذه المكونات، هو الذي يشكل له برنامج العمل والفكر والإبداع والانطلاق، ليعمل من خلال الإعلام وغيره على تحصين ثقافة أمته ضد التيارات الثقافية، والأخذ من الثقافات ما يناسب هوية الأمة للتحسين والتطوير دون انغلاق على الذات أو استسلام إلى الآخر.

جاء في إعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي “تتشكل جميع الثقافات بما فيها من تنوع خصب وما بينها من تباين وتأثير متبادل كجزء من التراث الذي يشترك في ملكيته البشر جميعا”. وهذا حض على التنوع والتباين والتبادل وليس على هيمنة هوية ثقافية على أخرى، فالإعلامي العربي أمامه تحد كبير في هذا الجانب، وعليه مسؤولية جسيمة في التصدي الثقافي، وفي فتح فضاءات جديدة عصرية مفيدة وضرورية، يسانده في ذلك إعلام قوي مؤثر وواع بمهنية ومهارة راقية ليس فقط في الصياغة الأدبية الفكرية وإنما أيضا في الشكل الفني وجاذبيته وتأثيره.

18