"الهوّة" مسرحية تسائل العادي وتفكّكه تراجيديا

المخرج الألماني توماس أوسترماير يبني سيناريو أسوأ التراجيديات الممكنة، ويفتح حلم الخوف على الواقع.
الاثنين 2019/09/30
هدوء ينذر بانفجار وشيك

جديد المخرج الألماني الشهير توماس أوسترماير مسرحية من تأليف مايا زاده بعنوان “الهوة”، وتحوم حول نقاش لا ينتهي بين رجل وزوجته وضيوفهما، نقاش يتسّم بالسطحية والعمق في الآن نفسه، ويطرح خواء الواقع الذي يحيط بنا.

مايا زاده مؤلفة مسرحية ألمانية درست الآداب الإنكليزية في جامعة لندن، والجامعة الملكية بكندا، وبدأت الإنتاج الدرامي في الأكاديمية الملكية للفنون الدرامية بلندن، ثم التحقت بفرقة شوبونه الألمانية عام 1999، كمؤلفة درامية بالمعنى الألماني، أي أنها ليست كاتبة بقدر ما هي مرشدة ومرافقة نقدية. تولت إعداد عدة أعمال لكاريل تشرشل، وماريوس فون ماينبورغ، وبرتولد بريخت، وأوغست سترندبرغ ولارس نورن، وتميزت كتاباتها بأسلوب قريب من الأساليب الأدبية لهارولد بنتر، وسارة كين وإدوار بوند.

وبعد مسرحية “الحال كما هي عليها”، ألفت مسرحية ثانية بعنوان “الهوّة”، وهي التي يفتتح بها المخرج الألماني الشهير توماس أوسترماير هذا الموسم، على خشبة “الجوزاء” بضاحية صو، جنوبي باريس.

والمعروف أن المخرج الألماني بدأ مسيرته كمدير فني لفرقة “براكه” في المسرح الألماني ما بين 1996 و1999، ولمّا أتمّ عامه الحادي والثلاثين صار المدير الفني المساعد للفرقة الشهيرة شوبونه، حيث واصل استكشاف النصوص المعاصرة أو الكلاسيكية وتقديمها في أسلوب مميز، حاز بفضله مكانة مرموقة في المشهد المسرحي الأوروبي والعالمي، لاسيما أن مسرحه الملتزم والنقدي لا ينفك يضع موضع مساءلة وضع الإنسان في المجتمع.

ليس أحبّ إلى أوسترماير من طرح أشياء بسيطة ملساء مسطّحة كي يفجرها من بعد كما ينبغي التفجير، فهو يكتسح الخشبة ليمسك بخناق عالم مؤذٍ لا يحتمل نفاقه، يفعل ذلك سواء أقدم على نصوص شكسبير وإبسن، أو أقدم على نصوص الكتّاب المعاصرين كما هو الشأن في نص مايا زاده “الهوّة”، أي تلك التي تثير إشكاليات الحاضر. ففي هذا النص، يرقب أثر التراجيديا وهي تقتحم كقنبلة صالون أصدقاء بوبو (اختزالا لبورجوازيين بوهيميين) يتناولون العشاء في راحة من أمرهم. والذين يعرفون أوسترماير، يتابعون المشهد كما يتابع المرء هدوء عاصفة تنذر بانفجار وشيك.

وتدور أحداث المسرحية في شقة زوجين شابين من أسرة بورجوازية برلينية هما ماتياس وبتّينا، حيث يقيمان مأدبة عشاء يدعوان إليها بعض الأصدقاء. وبينما كانت طفلتاهما بيا وغرترود نائمتين في غرفتهما، بدأ الأصدقاء جميعا يتناقشون في مواضيع متفاوتة الأهمية، عن تأثيث البيت، والأطفال، والحياة الزوجية، والموسيقى، والسينما، والطائرة، والمطبخ، وبيوت الريف والأسئلة السياسية الراهنة… ويطرحون أسئلة من نوع: هل يتذكّر الماء حالته الأولى بفضل بلّوراته الملونة؟ وهل تدعم النّجودُ ثبات الجدران؟ وهل نقول “لاجئون” أم “مهاجرون”؟ وهل يذكّر ما يبقى في الفم من طعم النبيذ بعنب الثعلب؟

ليس أحبّ إلى المخرج المسرحي توماس أوسترماير من طرح أشياء بسيطة ملساء مسطّحة كي يفجرها من بعد كما ينبغي التفجير

وأسئلة أخرى تمعن في الهذر أو في التحذلق الثقافي، فتبدو الحجج في أفواه ممثلي هذه الطبقة عادية أحيانا، أو بسيطة، وحتى مكرّرة ممجوجة، وفي أحيان أخرى تلامس الفكر السامي، وتغوص في عمق الأشياء، فتكون النتيجة صدمة تقطع تلك الثرثرة، يعقبها إنكار لما قيل، ورجاء بأن يكون ما حدث مجرد تمرين فكري افتراضي.

ذلك أن المسرحية، تبني سيناريو أسوأ التراجيديات الممكنة، وتفتح حلم الخوف على الواقع، حين يباغت الموت الرضيعة، فتستبد الحيرة بالجميع، ويعجزون عن التصرّف تصرّفا عاديا، وإذا كل القيم الإنسانية المطروحة في تلك اللحظة الأليمة تذهب أدراج الرياح. وكما هو الشأن في الحياة الحق، يصنع الخيال ما لا يصنعه الواقع، والعكس صحيح.

وما يلفت الانتباه في هذه المسرحية لغتها، وحواراتها القريبة من واقع طبقة معينة، وما يميّزها عن الأعمال الأخرى التي تناولت الوسط البورجوازي هو التمايز بين الأجيال، فالنص هنا يصوّر جيلا جديدا في عالم جديد لا يني يتغير، جيل يتراوح عمره بين الثلاثين والأربعين، ولا ينظر إلى العالم كما كان آباؤه ينظرون، ولا يقيم علاقة مع العنصرية والجنسانية والرأسمالية كما أقامها أسلافه. فالمسرحية تصوّر شبانا ناجحين،

من أسر موسرة، يملكون تربية سليمة ومعرفة بالعالم أكثر من سابقيهم، ولكنهم، وإن كانوا واعين بالوضع الإشكالي للعالم، فإنهم عاجزون عن التصرّف في ما يجدّ اعتمادا على معرفتهم.

وفي هذه المسرحية، تحفر مايا زاده خطين، وتخلق للسهرة صيغتين، الأولى بحضور التراجيديا، والثانية من دونها، وكأن ذلك استيهاما من أحد المشاركين في السهرة، حيث كانت الثرثرة حول المائدة من السطحية ما دفع أحدهم إلى تخيل ذلك الكابوس لخلق خوف مطلق يفجّر السطح.

فالتراجيديا التي تنتأ فجأة تجرى في موازاة سهرة عادية، ما يخلق مستوى ثان للسرد يعادل السهرة الخاوية التي تبدو مثل صورة كاريكاتورية عن السهرة العادية، ولكنها تضع الواقع الذي نعلمه موضع مساءلة. أي أن كل صيغة تولّد نهايتها، وفق كرونولوجية متشظية، أو مرآة مهشمة تتعدّد الحكاية بتعدّد قطعها الزجاجية، وتسائلها لتستكشف ما وراء الكلام المعتاد.

يقول توماس أوسترماير “عندما تنبثق الحياة الحق من عمقها ومباغتتها التي يمكن أن تكون مأساوية أو فرحة، فليس من النادر أن يعجز الإنسان عن التصرّف. في هذا النص، تمتزج التراجيديا بالتفكيك الشكلاني”.

16