الهيئات التنظيمية لأردوغان حوّلت الإعلام التركي إلى حطام

الانقلاب الفاشل أنهى وجود المنابر المعارضة.
الاثنين 2021/05/10
لا صوت يعلو فوق صوت الحكومة

استخدم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أربع هيئات تنظيمية لإحكام السيطرة على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وإنهاء أي مقاومة لسلطته في المنابر التركية.

اتبع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إستراتيجية وزير الدعاية الألماني في الحقبة النازية جوزيف غوبلز “للسيطرة على الجماهير”، فعمل على تعديل لوائح تنظيم الإعلام ووضع أربع أدوات تحكم جديدة على القطاع وهي مديرية الاتصالات والمجلس الأعلى للراديو والتلفزيون وهيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وهيئة الإعلانات الحكومية.

وأُنشئت مديرية الاتصالات في يوليو 2018 بعد عامين من الانقلاب الفاشل، وتتبع القصر الرئاسي ورئيسها مسؤول مباشرة أمام أردوغان.

وتتمتع “مديرية الاتصالات” بحصانة من المساءلة من قبل البرلمان، واجبها الأساسي هو السيطرة على كامل وسائل الإعلام يوميا والتدخل كلما رأت ذلك مناسبًا في المحتوى المطبوع والسمعي والبصري. ويعمل بها حوالي 1500 موظف.

وشددت “مديرية الاتصالات” سيطرتها على هيئة الإذاعة والتلفزيون الحكومية “تي.آر.تي” ووكالة أنباء الأناضول الرسمية التي تديرها الدولة، وكلتاهما منحازتان فعلا للحكومة حتى قبل عام 2018.

وتشرف مديرية الاتصالات أيضًا على إصدار “بطاقات الصحافة الوطنية” الرسمية للصحافيين الأتراك وتشرف على عمليات اعتماد المراسلين الأجانب، وغالبًا ما تستخدمها من خلال سياسة “الجزرة والعصا”، بحسب ما إذا كان الصحافي أو المراسل “يزعج الحكومة أم لا”.

وبدأت في السنوات الماضية بإلغاء “البطاقات الصحافية” للإعلاميين جملة وتفصيلا، استناداً إلى مواقفهم وجذورهم (كالأكراد). ومؤخرا تم الكشف عن أن رئيسها وزع على القنوات التلفزيونية قائمة بالمحللين “المسموح لهم بالظهور في البرامج الحوارية”.

بدوره المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون التركي ورغم الإدعاء أنه جهة تنظيمية مستقلة إلا أن هذا على الورق فقط، حيث يتم ترشيح أعضائه التسعة من قبل الأحزاب السياسية بما يتناسب مع تمثيلهم في البرلمان. وينتمي أغلبيتهم إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم وشريكه حزب الحركة القومية اليميني المتطرف.

ويستخدم المجلس سلطاته إما برفض أو “تأخير” إصدار تراخيص لما يعتبره قنوات “إعلامية معارضة”. وتصدر هيئة المجلس قرارات “حظر دعاية” أو “أوامر منع النشر” على القنوات التلفزيونية بما في ذلك خدمات البث الرقمي مثل نتفليكس. وفي حالات بث المحتوى المهم يمكن أن تقطع الهيئة التيار الكهربائي لأيام طويلة على تلك القنوات.

أما هيئة المعلومات والاتصالات، فتتبع مباشرة وزارة النقل والبنية التحتية. ووفقًا للاستبداد المتزايد لحزب العدالة والتنمية الحاكم خضع هذا الكيان للعديد من التغييرات الهيكلية منذ إنشائه في عام 2000 في عهد رئيس الوزراء بولنت أجاويد.

أردوغان وجد عندما  تولى السلطة أن المشهد الصحافي مهيأ لهندسته باستغلال الجوهر الفاسد لملكية وسائل الإعلام وتعاملاتها مع الحكومات

ويعكس بناء هذه المؤسسة عقلية الرقابة قبل وصول أردوغان إلى السلطة. وقد تم تعديلها على مر السنين عدة مرات، بما يتماشى مع تعميق النزعة المحافظة وعدم التسامح لدى الطبقة السياسية بشكل عام.

وتشرف الهيئة في شكلها الحالي على مجال الإنترنت كاملا ووسائل التواصل الاجتماعي. ويحق لها فرض حظر وقيود تعسفية في المجال الرقمي، وفي حالات أخرى من خلال ما يسمى بـ”محاكم السلام” التي يتم تعيين قضاتها بموافقة القصر. ومع توسع مهامها امتدت يد الهيئة بشكل أعمق في المجال الرقمي وأدوات وسائل التواصل الاجتماعي الشعبية التي يُنظر إليها على أنها تهديد لهياكل سلطة أردوغان.

والأداة الرابعة هي هيئة الإعلان الحكومية التي تشرف على الإخطارات والإعلانات الرسمية للجهات والمؤسسات الرسمية في الصحافة المطبوعة. ومنذ محاولة الانقلاب واجهت بقايا الصحافة والأحزاب المعارضة حظراً منهجياً لإعلانات الدولة.

وعلى عكس الاعتقاد السائد فإن “حالة الخراب” التي طالت وسائل الإعلام التركية ليست من صنع أردوغان بالكامل. فمن الإنصاف القول إنه عندما تولى السلطة وجد أن المشهد الصحافي مهيأ لهندسته الضخمة. كان يعرف ما يكفي عن الجوهر الفاسد لملكية وسائل الإعلام وتعاملاتها المنهجية القذرة مع الحكومات قبل أن يتولى منصبه.

وكان على علم أيضًا بالمعارك الداخلية الشرسة التي تحركها الأيديولوجيا، والافتقار إلى الحكمة والوعي حول قيمة التضامن المهني بين الصحافيين في تركيا المستقطبين سياسيا. كان يعرف ما يجب فعله ومتى يفعل ذلك على ما يبدو.

وبدا وكأنه قرر عام 2011، أنه جاهز لتحويل البلاد باتجاه حكم الرجل الواحد.

وكان أمامه أربع عتبات رئيسية يجب أن يمر بها منها تصفية منافسيه داخل الحزب والتخلص من حركة غولن لتولي السيطرة الكاملة على وسائل الإعلام والقضاء.

وقام أردوغان بتفكيك قواعد الصحافة، وبدل ملكية وسائل الإعلام الخاصة منذ احتجاجات غيزي بارك في منتصف عام 2013. كانت أهدافه ثلاث مجموعات إعلامية كبيرة هي مجموعة سينير (التي كانت تنشط في قطاع التعدين والطاقة) ومجموعة شاهنك ودوغان ميديا.

ومنذ اللحظة التي اندلعت فيها احتجاجات غيزي في نهاية مايو 2013، ظل أردوغان منشغلًا بشكل شخصي بفرض سيطرته التحريرية من خلال الاتصال بمديري القنوات المؤثرة. ونجح عندما استسلم المالكون، وكلهم يعتمدون على الخدمات المالية من قبل الحكومة، على الفور.

Thumbnail

عرف أردوغان منذ تلك اللحظة أنه يمكنه الاعتماد على تورغاي سينير الذي يمتلك “هابر ترك تي.في”، وفيريت شاهينك المالك لقناة “إن.تي.في” الإخبارية. لكن بالنسبة إلى المستقبل لم يكن متأكدًا تمامًا من وجود كتلتين إعلاميتين أخريين إحداهما كانت مجموعة دوغان ميديا​​، وهي إمبراطورية شاسعة بها عدد من القنوات التلفزيونية والصحف التي هيمنت على التوزيع العام للمطبوعات.

لم يستطع أردوغان إخفاء كراهيته لرئيس مجلس الإدارة أيدين دوغان لأن المجموعة عارضت بشدة صعوده السياسي. كان يُنظر إلى دوغان على نطاق واسع على أنه “صانع الملوك” في التسعينات، مستخدمًا وسائل الإعلام الخاصة به في كثير من الأحيان للتأثير.

وبحلول عام 2011 تقدم أردوغان أكثر، وأُجبر دوغان على بيع صحيفة ميليت وهي صحيفة رئيسية لعائلة دميرورين، التابعة لأردوغان. وبعد فترة وجيزة من تولي المنصب، تم طرد العديد من المحررين وكتاب الأعمدة. لكن الضربة الأخيرة لدوغان حدثت في عام 2018.

وكانت الكتلة الرئيسية الأخرى المؤثرة عبر الطرف الآخر من الطيف هي مجموعة “زمان” الإعلامية و”كوزا” القابضة كقوة مركزية لها، وكلتاهما مرتبطتان بفتح الله غولن، وهو رجل دين له أتباع متواجدون أيضًا داخل جهاز الدولة والقضاء.

وحقق أردوغان انتصارا آخر في يوليو 2016 في شكل محاولة انقلاب وتنفيذ “انقلاب شرف” لإخضاع الأوساط الأكاديمية والخدمات العامة والقضاء ووسائل الإعلام عن طريق المراسيم والتعيينات.

وبمساعدة القرارات الرئاسية حقق أردوغان النجاح تلو النجاح على جميع الأصعدة، ولم يواجه أي مقاومة. كان هذا أيضًا هو الوقت الذي فقد فيه الآلاف من الصحافيين وظائفهم وتم إغلاق حوالي 190 منفذًا إعلاميًا، مع حذف العديد من أرشيفاتهم الرقمية إلى الأبد. كان هذا أيضًا هو الوقت الذي أعيد فيه تصميم أجزاء من القضاء للمساعدة في هندسة الصحافة في خدمة آلية السلطة لأردوغان.

وبعد أن أنشأ نظامًا “رئاسيًا تنفيذياً” من خلال الاستفتاء في عام 2017، كانت هناك عقبة واحدة فقط قبل أن يكمل مهمته وهي جعل مجموعة دوغان الإعلامية تركع على ركبتيها. كان لدوغان قناتان تلفزيونيتان مؤثرتان وأخرى رائدة يومية وهي حريت التي استجابت عائدات إعلاناتها لحوالي 40 في المئة من التوزيع الوطني للصحافة المطبوعة بأكملها.

استسلم دوغان غير قادر على مقاومة سلسلة من الضغوط الداخلية والتهديدات المالية أخيرًا. والمجموعة التي أثرت على تشكيل الرأي وتقاطع السياسات الكلية لتركيا على مدى عقود تقريبًا تم بيعها في عام 2018 إلى عائلة ديميرورين. وبهذه الخطوة انتهت لعبة وسائل الإعلام الإشكالية في تركيا.

وكانت النتيجة النهائية تحول الإعلام التركي والصحافة إلى حطام.

18