"الهيئات الشرعية".. ديكتاتورية تكفيرية في سوريا الثائرة

الاثنين 2013/09/23
الشرطة الإسلامية تجوب شوارع حلب لاصطياد" المارقين"

لم يسقط النظام حتى الآن، وربما يستمر في البقاء لفترة أطول. لكنّ هناك شيئا قد انهار لا يقلّ تسلّطا وهيمنة على نفوس السوريين، هو جدار الخوف.

لكن اليوم يُخاف من شيء أخطر وهو أن يأتي بعد الأسد شكل آخر من الديكتاتورية. فبعد تعهد المعارضة السورية بإدارة المناطق المحرّرة بدأت تنتشر المحاكم ذات الطابع «الشرعي» على نحو غير مسبوق، في مسعى منها، إلى أن تكون بديلا عن مؤسسات الدولة التي تلاشت إثر تصاعد حدّة الحرب بين المعارضة ونظام الأسد.

كثير من هذه الهيئات كيانات تابعة في أغلب الأحيان للألوية العسكرية المقاتلة، وهو ما يفرض عليها التمثل بسياسة هذه التشكيلات العسكرية والرضوخ لتعليماتها.

فوضى الفتاوى في حلب


في مدينة حلب (شمال سوريا)، أعلن عن تشكيل الهيئة الشرعية في 2012/12/15، باتفاق بين أكبر أربعة ألوية في حلب، هي: لواء التوحيد وأحرار الشام وجبهة النصرة وصقور الشام، ثم ما لبثت أن انضمت إليها غالبية الألوية والفصائل مثل: الفتح وتجمع «فاستقم كما أمرت» ولواء أحرار سوريا ولواء النص ودولة العراق والشام الإسلامية وغيرها لتكون الجهة القضائية الأولى في مدينة حلب.

تشكلت الهيئة الشرعية من مكتب رئاسة تنبثق منه مكاتب عدة، من بينها مكتب التربية والتعليم ومكتب الإفتاء وشؤون المساجد، والمكتب الخدمي والمكتب الطبي والمكتب القضائي ومكتب الحبوب وإدارة المطاحن، ولكل مكتب مهام محددة. وتشرف الهيئة على سجنين يتم نقل مخالفي أحكامها إليهما. لكن سرعان ما انشقت عن الهيئة جبهة النصرة لتشكل هيئة شرعية خاصة بها. ثم تبعها تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي أقدم على الخطوة ذاتها وأسس هيئة شرعية خاصة به. ليصبح نتيجة ذلك، سكان الأحياء «المحررة» في حلب، تحت رحمة فوضى الفتاوى المتضاربة من حيث المرجعيات المختلفة، وباتت المحاكم الشرعية تصدر فتاوى دينية متشددة غريبة عن المجتمع الحلبي، الذي اعتاد الالتزام بالتعاليم الإسلامية بطريقة معتدلة ووسطية بعيدة عن الغلو والتطرف. حيث يلاحظ ازدياد الدور القيادي للجماعات الإسلامية المتشددة، إذ يتسع نفوذ الكثير من الوحدات الإسلامية التي باتت تعتمد على أجهزة شرطة ومجالس إدارية خاصة بها.

كثرت الإشاعات وخصوصا على مواقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» حول قرارات الهيئة، فمع بداية شهر رمضان الماضي، أصدر مجلس «القضاء الموحد» قرارا يقضي بسجن كل من «يجاهر بالإفطار» سنة كاملة، مشيرا إلى أن قراره مستمد من «القانون الجزائي العربي الموحد»، وهو قانون مستمد من الشريعة الإسلامية وصادر عن جامعة الدول العربية.

وشدد المجلس التابع للجيش السوري الحر في تعميم حمل الرقم 23، على «حرمة الإفطار في رمضان من غير عذر»، مذكرا أن «القانون الجزائي العربي الموحد، المعتمد كقانون واجب التطبيق، يعاقب من ينتهك حرمة شهر رمضان بالإفطار علنا في مكان عام بالسجن لمدة سنة»، فيما استثنى من سماهم بـ»المجاهدين أصحاب العذر»، متمنيا عليهم «أن لا يجاهروا بالإفطار حتى لا يتهموا في دينهم».

وأوضح المجلس أن «القرار صدر بعدما تلاقت جهود الهيئات الشرعية العاملة داخل كتائب الثوار مع جهود تجمّع المحامين المناصرين للثورة في سوريا».

وقد كان لافتا القرار الذي أعلنته الهيئة في تعميم حمل الرقم «8» وتضمن فتوى بتحريم تناول «الكرواسان»، وهو نوع من المخبوزات المعجونة بالزبدة، باعتباره يحمل دلالة «استعمارية». ونشرت مواقع التواصل الاجتماعي نسخة عن الفتوى ممهورة بختم الشيخ أبو محمد، من رئاسة «الهيئة الشرعية». وتقول إن «الكرواسان»، ويعني الهلال بالفرنسية، صنع على شكل «هلال» ليأكله الأوروبيون في أعيادهم ويحتفلوا بالنصر على المسلمين، إذ إن الهلال كان شعار الدولة الإسلامية.

في غضون ذلك، صدرت عن الهيئة فتوى أيضا قالت فيها إنه «يحرم خروج المرأة المسلمة متبرجة، بالألبسة الضيقة التي تظهر منها معالم البدن، أو مزينة بالأصباغ على وجهها»، متمنيا على «جميع الأخوات الالتزام بطاعة الله والتمسك بآداب الإسلام».

وربما شابت تلك الشائعات بعض المبالغات، خصوصا مع قيام الهيئة بتنفيذ عقوبات علنية «ينص عليها الدين الإسلامي» بحسب بيـاناتـها، وعـلى الفور ظهر موقفان متباينان تماما، فتقـبل البعض الفكرة معتبرين أن وجود هـيئة شرعية سيؤمن الانضباط في المجتمع في المناطق المحررة، بينما استهجن ورفض البعض الآخر الـفـكرة من الأسـاس معـتمدين في رفضهم على القرارات والفتاوى التي أصدرتها الهيئة «لبعدها عن المجتمع السوري المدني بطبيعته».


الهيئة الشرعية في هنانو


أبو إبراهيم، عضو في هيئة هنانو الشرعية التابعة للهيئة المركزية، يحدثنا عن الهيئة، التي تأسست بعد انسحاب النظام من الحي في بداية العام 2012، قائلا» الهيئة تشكلت من أصحاب العلم والشيوخ من أبناء الحي وهي تتبع مباشرة لهيئة العيون (المقر المركزي للهيئة)، وتشرف الهيئة على كافة الأنشطة والخطط في الحي بالتنسيق مع باقي الوحدات الإدارية». ويضيف «استطاعت الهيئة سد الفراغ الأمني والشرعي في الحي، وتأسس أكثر من مكتب تابع للهيئة منها: مكتب للإفتاء الشرعي، مكتب إغاثة، مكتب إعلامي ومكتب للصلح ومكتب مشترك مع الهيئة المركزية (مكتب التربية والتعليم)».

وبحسب أبو إبراهيم «خدمات الهيئة لا تقتصر فقط على الجانب الشرعي فكل الأمور المدنية والأوراق اللازمة لأي مواطن، الهيئة مخولة بإعطائها، منها أوراق لها علاقة بالخدمات المدنية، منها، إخراج قيد، ورقة نفوس، شهادات ولادة، وفيات، أوراق الحواجز خاصة بالسيارات لمراقبة عمل الشاحنات ومنعها من إدخال بضائع غير قانونية أو شرعية».

أبو عمار، رئيس الهيئة الشرعية، سألناه عن آلية العمل داخل الهيئة فيما يخص القضايا المعروضة أمامها، فأجاب: «عمل الهيئة الأساسي، مساعدة الناس بتسيير أمورهم وفق الكتاب والسنّة والقياس والإجماع وهي مبادئ الإسلام الحنيف، ومهمة الهيئة هي المساعدة في حل مشاكل الناس خصوصا ما يتعلق بقضايا الأحوال المدنية من زواج وطلاق وسرقات وقضايا السحر والشعوذة».

تصاعد المخاوف من نظام دكتاتوري جديدة بعد رحيل الأسد

ويضيف «في قضايا السرقة يُنظر في القضية من قبل مكتب التحقيق الذي يتكون من محقق أو محقيقين بالإضافة إلى كاتب، ولديه صلاحية توقيف أي متهم لمدة ثلاثة أيام كحد أقصى، بعد ذلك يتمّم تحويله إلى مكتب القضاء المركزي في المحكمة الشرعية الأم، هناك يدرس ملف القضية ويحال إلى القاضي، ليتم الحكم وفق القضاء الشرعي ويعتمد القاضي في إصدار حكمه الشرعي على شهادات الشهود والأدلة والقرائن».

وبحسب أبو عمار «الحدود أو الأحكام التي يأمر بها القضاء معلقة ولم تطبق إلى اليوم، والسبب في ذلك يرجع لعدم وجود حاكم ولأننا في حالة حرب. ونكتفي بالتعزير وهو عقوبة يقدرها القاضي، بما يراها رادعا للجاني. فنحن إلى الآن لم نُقم حد قطع اليد ولم نرجم الزاني، فالسارق يرد المسروقات وقد يحبس لفترة طويلة في حال كرر فعلته، كذلك الأمر بالنسبة للأحوال الشخصية فأي اعتداء على المرأة تأخذ الهيئة موقف الداعم لها وتلاحق الجاني وتطالبه بتوقيع تعهد خطي بعدم تكرار فعلته، لكن إن لم يستجب يتم توقيفه وهنا يمكن جلده عدة جلدات ليكون عبرة لغيره، أحيانا يتم تقديم شكاوى للمحكمة من قبل أبناء المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام أو من قبل أشخاص من طوائف ثانية تعرضوا لعمليات سرقة ونهب أو تسليح باسم الدين من قبل عصابات تنشط في الكثير من المناطق، وهؤلاء تتم معاملتهم بالمثل كالمسلمين».

ويتابع «مكتب القضاء يتألف من 6 محاكم عسكرية و 4 محاكم مدنية تنظر في المعاملات والعقود والأحوال الشخصية، وهناك محكمة التمييز وتتألف من خمسة قضاة تنظر في الأحكام الصادرة، ولدينا كذلك 14 مكتبا للتحقيق ومعظم المحققين هم من أصحاب الشهادات في المحاماة وبعضهم منشق عن الجهاز القضائي للنظام، وبالنسبة للقضاة معظمهم يحمل إجازات في الشريعة، ويتبع مكتب القضاء جهاز مالي وقسم للأمانات الجرمية وقسم لتنفيذ القرارات الصادرة عن الهيئة وإصدار الأحكام على الأشخاص ومتابعة الأحكام الغيابية، حيث يتم نشر أسماء المطلوبين للقضاء على النقاط الأمنية التابعة للهيئة، ويدعم عمل الهيئة جهاز شرطة متكامل ومسلح، يتدخل بعد أمر من المكتب الرئيسي أو مكتب التحقيق، ولدى الهيئة سجن مركزي يحتوي على نقاط طبية ومركز إصلاحي يتم دعوة المشايخ إليه لألقاء محاضرات على الموقوفين، ونظارات توقيف في بعض المكاتب التابعة لها».

علاقات الهيئة الشرعية بمجلس القضاء

خلافات عدة ظهرت بين الهيئة والمجلس الذي دخل حيز العمل بمدينة حلب في منتصف تشرين الأول – أكتوبر العام الماضي، بعدما تلاقت في هذا السياق جهود الهيئات الشرعية العاملة داخل كتائب الثوار مع جهود تجمع المحامين المناصرين للثورة في سوريا، وبعد عمل استمر قبل ذلك نحو ثلاثة أشهر.

ويتكون المجلس من عضوية عشرين شخصا (عشرة من الشرعيين وذوي العمل الشرعي، وسبعة من المحامين، وثلاثة قضاة)، ويتبع المجلس حاليا دائرة واحدة تضم أربع محاكم وهي العسكرية والمدنية والجزائية والأحوال الشخصية، ويجري العمل على تشكيل دائرة ثانية. كما يتبع لهذه المحاكم سجن للموقوفين ومن صدرت بحقهم أحكام قضائية.

وتعنى المحكمة العسكرية بشؤون المنازعات التي طرفاها أو طرف واحد على الأقل عسكري وتشمل العسكريين المنشقين وعناصر كتائب الثوار، وتشمل قضاياها التنازع على الذخائر والأسلحة والغنائم، إضافة إلى تجاوزات بعض الثوار بالاستيلاء على سيارات لمدنيين أو عقارات، وتشكل هذه التجاوزات أكثر الدعاوى.

أما المحكمة الجزائية فتعنى بعمليات القتل والسرقات، في حين تعنى المحكمة المدنية بمعاملات البيوع والشراء وتوقيع عقود الإيجار وغيرها، في حين تعنى محكمة الأحوال الشخصية بقضايا الزواج والطلاق والإرث والحضانة وغيرها.

وتعمل محاكم المجلس وفق القانون الجزائي العربي الموحد المستمد من الشريعة الإسلامية، بعد توافق الجميع عليه من الكتائب والجهات المدنية العاملة على الأرض، ورضوا بالاحتكام إليه.

التطور الأبرز في الصراع هو إعلان عبدالقادر الصالح، قائد «لواء التوحيد»، والمتهم بنهب مئات المعامل والمنشآت وكنوز الجامع الأموي انحيازه لجبهة النصرة والهيئة الشرعية، التي داهمت مقارّ «غرباء الشام» في عدد من الأحياء واعتقلت عشرات المسلحين الموالين لحسن جزرة، الذي توارى عن الأنظار.

وما لبث «مجلس القضاء الموحد»، الذي سبق أن تعرض للقمع من «الهيئة الشرعية» ولمصادرة مقارّه، ويضم في صفوفه محامين وقضاة منشقين، أن وجّه نداء إلى الأطراف المتصارعة للتحكيم بينها بإشرافه، حيث أعلنت «غرباء الشام»، وفق بيان لها، «استجابتها للنداء والتزامها المطلق بأيّ قرار يتخذه مجلس القضاء الموحد، وأنها تثني على هذا القرار الحكيم، وتدعو الهيئة الشرعية إلى تقديم مصلحة الأمة، والتعالي على الجراح وتقديم الوثائق التي تدين الأشخاص ليتم بدء العمل فورا».

بدورها، وزعت كتائب وألوية «منغ» بيانا مصورا، قالت فيه إنّ ما لديها من مسروقات قامت «باسترجاعها من السارقين على حواجز التفتيش»، وهدّدت بأنها ستسحب مقاتليها من كل سوريا لمحاربة الهيئة الشرعية، مطالبة «بالاحتكام إلى مجلس القضاء الموحد في حلب». واتهمت جماعة «غرباء الشام» الهيئة الشرعية بقصف مواقعها وبقتل وجرح عدد من مقاتليها.

في المقابل، رأى ناشطون معارضون أنّ خطوة «مجلس القضاء الموحد» هي محاولة للعودة إلى الأضواء، ولو كان على حساب الثورة التي تحاول تطهير نفسها من اللصوص. وقال أحمد كياري، من نشطاء جامعة حلب، إنّ «المجلس يمدّ حبل النجاة للصوص غرباء الشام، لينقذهم بعد تقهقرهم أمام الكتائب المجاهدة. الثورة بدأت بتنظيف البيت الداخلي، وما من قوة ستقف في وجهها».

كذلك قال مصدر مقرب من «الهيئة الشرعية» إنّ مجلس «القضاء الموحد» سكت طويلا عن السرقات التي يقوم بها حلفاؤه في «غرباء الشام»، وعندما تحركت الهيئة لتطهير الثورة من اللصوص انبرى للدفاع عنهم.

وأضاف «أصبحت معظم الكتائب تفرض أتاوات مالية على أصحاب المعامل والورش والمستودعات. التهمة جاهزة لمن يتلكأ بالدفع أنه شبيح، قلنا لهم هذه طريقة مفضوحة، وتثبت أن كل الشعب شبيحة، نحن نفرض تبرعا للثورة على هؤلاء مقابل حمايتهم وبرضاهم طبعا وبعد مناقشتهم».

6