الهيئات وأثرها السلبي في الانتقال الديمقراطي بتونس

الخميس 2017/10/19

ما يحدث هذه الأيام في تونس في التعامل مع بعض الملفات السياسية ذات الصلة بالانتقال الديمقراطي يذكرني بمفهوم مستهجَن للسياسة في العربية التونسية. فإن للفظ “سياسة” في ذهن العوام من التونسيين معنيين: الأول هو “الرفق واللين وتناول المسائل ومعاملة الناس دون عنف”، ونجده في مثل قولهم “اطلب منه كذا بالسياسة” و“جاوب فلانا بالسياسة” و“سكر الباب بالسياسة”، والسياسة بهذا المعنى سلوكٌ حضاري يتطلب ممن يقوم به ضبطَ النفس والتخفيف من جموحها في حالة الغضب مثلا أو في حالة اكتساب صاحب السلوك غلظة في الطبع، والتغاضي أحيانا عن مظاهر الاعوجاج البينة، والسياسة في هذا الاستعمال تكاد ترادف “الحِلْمَ”- بكسر الحاء- في العربية الفصحى.

والمعنى الثاني هو “المكر والاحتيال والنفاق والغش والأنانية”، ولكن هذا المعنى لا يعبر عنه بلفظ “سياسة” بل يستعمل له لفظ آخر مقترض من الفرنسية هو “بُلتيك”، ونجده في مثل قولهم “عامل علي بليتيك” أي يخدعني، و“تقرُّبه مني كله بليتيك” أي يضمر نوايا غير صادقة، والسياسة بهذا المعنى “البوليتيكي” تكاد ترادف “الجهل” في العربية الفصحى في معنى التعدّي والسّفَه على الغير.

وهذا هو المفهوم الذي أصبح سائدا في تونس مغلبا على سلوك السياسيين فيها منذ بدأنا نجني ثمار الديمقراطية بعد 14 يناير 2011 المشهود، ويمكن أن نتبين ذلك بيسر من التعامل مع بعض الملفات السياسية التي ما انفكت تحرك الأهواء، وتدفع المتدخلين فيها إلى اتخاذ المواقف المتضاربة حولها رغم حيويتها وضرورة الإسراع في إيجاد الحلول لها.

ونريد أن نذكر من هذه الملفات اثنين متعلقين ببعض “الهيئات”: أولهما هو ملف “الهيئة العليا المستقلة للانتخابات”، وقد نصّبَ هذه الهيئة في أوائل شهر يناير 2014 المجلسُ الوطني التأسيسي الذي كانت الترويكا وخاصة حركة النهضة صاحبة الأغلبية فيه، وليس غريبا أن يكون رئيس تلك الهيئة من مرشحي حزب النهضة، لكن هذا الرئيس قد استقال في شهر مايو 2017 واستقال معه عضوان آخران، ويبدو أن أسبابَ الاستقالة خلافات ذات وجهين: الأول بين المستقيلين وأعضاء جدد وافدين على الهيئة حسب ما يقتضيه قانونها من تجديد الثلث الذي حدث في يناير 2017، والثاني بين الهيئة ومجلس نواب الشعب. وقد أثارت استقالة الأعضاء الثلاثة جملة من المشاكل قد أبرزت غلبة “البليتيك” على العمل السياسي.

هذا المجلس الذي كان يراد منه تحقيق استقلال القضاء الذي طالما أفسده تدخل السلطة التنفيذية في سيره يعاني اليوم من الأزمات المتعاقبة التي تهدد بإيقاف نشاطه

وأولى تلك المشاكل هي تعويض رئيس الهيئة، وقد ظهرت المشكلة في ترشح سبعة أشخاص لهذا المنصب بينما كان من الأفضل أن يتفق أعضاء الهيئة على أحدهم حسب الكفاءة فيكون مرشحهم جميعا، ولكن جلهم أراد أن يتّبع هواهُ فيجرّب حظه لينال شرف الرئاسة وامتيازاتها، وقد أُسْقِطَ من المترشّحين خمسة، وبقي اثنان للدورة الثانية هما نبيل بفون وأنيس الجربوعي، وقد قامت حول المترشحيْن صراعات سياسية منشؤها الأهواء الحزبية، إذ تبين أن النهضة تدعم بفون وتدافع عنه وأن النداء يدعم الجربوعي وينادي به.

ويكفي أن يكون حزب سياسي ما وراء ترشيح شخص معيّن ليغلبَ الشكّ في حياد هذا الشخص، وخاصة إذا كان رئيسا للهيئة بل الشك في استقلالية الهيئة نفسها، وقد سقط المرشحان لتمسك كل من الحزبين الأغلبيين بمرشحه وعجْز أي منهما عن الحصول على الأغلبية التي تخول له الفوز؛ وفتح باب الترشح من جديد ولم تحلَّ المشكلة بعد لأن الهيئة لم تحسم أمرها فتختار مرشحا من بين أعضائها ولأن كلا من الحزبين الأغلبيين متمسّك باختياراته.

والمشكلة الثانية هي تجديد ثلث أعضاء الهيئة، وعوض أن يضع القانون الأساسي مقاييس موضوعية يمكن اعتمادها في إقرار مَن يذهب ومَن يبقى فإنه قد لجأ إلى مقياس اعتباطي بحق هو القرعة. وقد كان على الهيئة ليكتمل نصابها سنة 2017 أن تستقبل ستة أعضاء جدد: الثلاثة المعوِّضُون للمستقيلين والثلاثة المعوضون للأعضاء الذين تُبْعدهم القرعة.

وقد استطاع البرلمان بعد هياط ومياط تعويض الثلاثة المستقيلين، لكنه لم يستطع تعويض من تقصيهم القرعة لأن أعضاء الهيئة المحترمين يرفضون إجراء القرعة قبل انتخاب الرئيس- فهو لا يخضع للقرعة- ثم لأنهم يريدون جميعا الترشح لمنصب الرئيس، بل إن مجلس الهيئة قد ذهب مذهبا في تأويل نص القانون يتماشى ومصالح أعضاء الهيئة، إذ اعتبر أن تجديد الثلث قد حصل بالأعضاء الثلاثة الجدد المعوّضين للمستقيلين، فلا حاجة لذلك إلى إجراء القرعة والتعويض من جديد. ويبدو أن الأيام القادمة ستزيد مشاكل هذه الهيئة تعقيدا بسبب تعنّت الأحزاب التي تريد التحكم في اختيار أعضائها وفي رئاستها خاصة وبسبب رغبة أعضائها في الحصول على الامتيازات المادية.

وهذه المشاكل القائمة والمتوقعة تهدد المسار الانتخابي في البلاد- وخاصة الانتخابات البلدية التي أقرت لشهر ديسمبر 2017 ثم أجلت إلى شهر مارس 2018 وقد تؤجل مرة أخرى إلى سنة 2019- وتهدد الانتقال الديمقراطي بصفة عامة. ويُلاحظ إذن أن الهيئة تمر بأزمة حادة، وليست الأحزاب السياسية هي المتسببة وحدها في هذه الأزمة بل إن لأعضاء الهيئة أنفسهم دورا كبيرا فيها.

لا شك أن الأحزاب السياسية تخشى من الاستقلال التام لهيئة الانتخابات، كما أن السلطة التنفيذية تخشى من الاستقلال التام للمجلس الأعلى للقضاء

والملف الثاني هو ملف المجلس الأعلى للقضاء. وقد ظهر أثَرُ التدخل الحزبي والسياسي- وخاصة السلطة التنفيذية- في تكوين هذا المجلس منذ البدايات كما يدل على ذلك إسقاط الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين له ثلاث مرات، ولم يسلمْ بعد إقرار النص وانتخاب أعضائه في آخر شهر أكتوبر 2016 من المشاكل لأن أعضاءه انقسموا إلى شقين لم يسلموا من تأثير هيكلين قضائيين كبيرين فيه هما جمعية القضاة ونقابة القضاة التونسيين، ولم يستطع المجلس المنتخب الانعقاد في الآجال القانونية لانتخاب رئيس له نتيجة حسابات شخصية ضيقة لدى بعض أعضائه، ثم استطاع الاجتماع بعد التوافق بين الشقين وتعيين رئيس مؤق ت له، ولكن ذلك كله لم يحلَّ الإشكالات فيه بل إن المتابعين يعتقدون أن المجلس يمر اليوم بأزمة حقيقية، وهي أزمة ذات وجهين: الأول في العلاقات الداخلية بين أعضائه، ومن علاماته الطعونُ الكثيرة المقدمة في نتائج الحركة القضائية التي أقرها المجلس، وطعنُ أعضاء من المجلس ذاته في تعامل رئيسه المؤقت مع ملف ترشيح الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف وتسميته، وهذه الطعون صادرة عن القضاة أنفسهم وفحواها العامة أن المجلس لم يسلم من التسييس والوقوع تحت تأثير السلطة التنفيذية؛ والوجه الثاني هو خلافه مع رئاسة الحكومة: فإن رئاسة الحكومة لم تأذن بعد بصرف الميزانية المخصصة للمجلس، ووراء هذا التأخير في ما يبدو موقف مما أقره المجلس لأعضائه من امتيازات مادية اعتُبِرتْ مشطّة، بل إن بعض الملاحظين قد استنتجوا من هذه الامتيازات أن الراتب الشهري لعضو المجلس سيفوق رواتب الوزراء ومنها راتب رئيس الحكومة نفسه.

والمجلس فيما يبدو قد تمسك بحقه الذي يخوله له قانون إحداثه في اقتراح منح وامتيازات لأعضائه، بل إن من أعضاء المجلس من يعتقد أن الامتيازات التي أقِرّت تندرج في “احترام استقلاليته المالية”، مع ما يعنيه ذلك من تلميح إلى استقلالية القاضي المالية حتى لا يكون عرضة للتأثيرات والإغراءات الخارجية، فما قام به المجلس إذن هو دفاع عن استقلاليته وحماية لها، لكن هذه الحجة لم تمنع من الحكم على ما أقره المجلس بأنه يندرج في منطق الغنيمة، وأنه لم يراع الظروف الاقتصادية المتردية التي تمر بها البلاد، كما لم تمنع من الاعتقاد بأن التأثيرات الخارجية، وخاصة السياسية، موجودة لا محالة وأن المجلس قد عانى ويعاني منها الكثير. والنتيجة هي أن هذا المجلس الذي كان يراد منه تحقيق استقلال القضاء الذي طالما أفسده تدخل السلطة التنفيذية في سيره يعاني اليوم من الأزمات المتعاقبة التي تهدد بإيقاف نشاطه، وليست السلطة التنفيذية هي المتسببة وحدها في هذه الأزمات بل إن للمجلس نفسه دورا كبيرا فيها.

لا شك أن الأحزاب السياسية تخشى من الاستقلال التام لهيئة الانتخابات، كما أن السلطة التنفيذية تخشى من الاستقلال التام للمجلس الأعلى للقضاء، ولا شك أيضا أن مبعث الخشية من استقلال الهيئتين هو ضعف الإيمان بالعمل الديمقراطي الذي يقتضي الشفافية في التعامل بين مكونات المجتمع المدني. على أن النظام السياسي المطبق عندنا لا يسمح لأي من الهيئتين بأن تكون مستقلة استقلالا تاما ما دامت هيئة الانتخابات رهينة بموافقات الكتل الحزبية البرلمانية وما دام المجلس الأعلى للقضاء رهينا بموافقات السلطة التنفيذية ممثلة في رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ووزارة العدل. ولا شك أيضا أن مما يُضْعِفُ استقلال الهيئات- سواء كانت دستورية أو كان إحداثها بقانون- أنانية أعضائها وبحثهم عن تحقيق المنافع الشخصية من عملهم فيها، فإذا تضافرت الأسباب على إضعاف استقلال هذه الهيئات كانت الديمقراطية ومؤسساتها الخاسر الأكبر.

كاتب وجامعي تونسي

9