الهيمنة الإلكترونية على العالم

الأحد 2016/09/25

تتعاظم يوماً بعد يوم سلطة وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي في حياتنا، سواء رضينا بذلك أم لم نرضَ، ولو تخيّلنا أن هناك حلقة صغيرة من الفنيين تتواجد يومياً في مكان ما من العالم تتحكم بأمزجة وتوجهات ورغبات وذائقة أكثر من ثلاثة مليارات من البشر على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم، سندرك حتماً خطورة المهمة التي تقوم بها تلك المجموعة الصغيرة وهي تمارس سلطتها الساحقة وغير المعلنة.

ذكّرتني قبل أيام رسالة موجهه من إيسبن هانس، رئيس تحرير جريدة لافنت بوست النرويجية إلى مارك زوكربرغ، مدير ومالك شبكة فيسبوك الشهيرة، بتلك السلطة المطلقة والمخيفة في الواقع التي تمارسها مجموعة زوكربرغ الصغيرة بطريقة شبه دكتاتورية في إدارتها لأنظمة الشبكة، فقد طالب هانس إدارة فيسبوك بالكف عن التدخل بكل صغيرة وكبيرة تحت ذريعة الحرص على الأنظمة واللوائح التي تحكم فيسبوك وتحدّد آلية عمله، طبعاً هانس كان ناقماً لأن إدارة فيسبوك قررت رفع صورة نشرها موقع جريدته عن انتهاك الطفولة وتسخير الأطفال في الحروب، في محاولة لتنبيه الرأي العام الغربي لمثل هذه الممارسات الشائنة، بينما عدّها كهنة معبد زوكربرغ تحريضاً على الاعتداءات الجنسية ضد الأطفال. طبعاً نحن هنا لسنا بصدد مناقشة المشكلة التي نشبت بين هانس وزوكربرغ، لكنّنا نحاول النظر إلى أبعد من ذلك في الحقيقة، أقصد إلى ماهية السلطة المهولة التي باتت تتمتع بها إدارة فيسبوك لتحديد توجهات الجمهور والتحكّم غير المباشر والخارج عن أيّ سلطة أو جهة رقابية أخرى، بذائقة وقناعات مثل هذا العدد المهول من البشر الذي يربو على نصف سكان العالم.

في الواقع حتَّى نفوذ وسلطات الدول الكبرى المتحكّمة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً في العالم اليوم، كالولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا والصين، لا تملك مثل هذه السلطة المطلقة التي تملكها مجموعة صغيرة جلّها من الشباب ذي الثقافة الأحادية المقتصرة على الاحتراف التقني وحسب، فكيف يمكن لشاب لم يتجاوز الثلاثين من العمر كرّس حياته للدراسة التقنية وحسب أن يحدّد مدى صلاحية صورة معيّنة أو خبر ما ودرجة تأثيره على الجمهور، حتّى لو توفر لتلك المجموعة الصغيرة عدد من الخبراء والمستشارين، على الأقل كما تدّعي إدارة فيسبوك، لما استطاعت أن تغطّي تلك المساحة الشاسعة التي يمتدّ عليها أعضاء الشبكة في كافة أنحاء العالم والناطقين بأكثر من مئة لغة مختلفة.

إن التحكم الإلكتروني في العالم ونفوذه أصبحا حالياً ظاهرة مثيرة ولافتة وخطيرة للغاية تضاهي، إن لم تتجاوز، النفوذ الاقتصادي والعسكري للدول الكبرى، وأنا واثق تماماً بأن العالم سيجد لاحقاً، ربما بعد عشر أو عشرين سنة طريقة ما لتنظيم هذا التحكّم ووضع القوانين اللازمة لتنظيمه أمميّاً بعيداً عن تحكّم المجاميع التقنية الصغيرة وأهوائها الخاصة.

إن اختراع مواقع التواصل الثقافي لا يشبه إطلاقا طبيعة نموها غير المتوقع حتَّى بالنسبة إلى مخترعيها أنفسهم في الواقع، الأمر يشبه تماماً اختراع كائن ما بطريقة الاستنساخ من دون التنبؤ بتغوّله في المستقبل وخروجه عن السيطرة، وآجلاً أم عاجلاً ستنتبه المؤسسات الاستخباراتية في العالم إلى هذا العملاق الافتراضي، إن لم تكن قد انتبهت بالفعل الآن، ومدى الاستفادة من كنوزه المعلوماتية وقدرته الفذّة في التحكّم والسيطرة على توجهات الرأي العالمي العام، ولن يبقى الأمر حصراً على مجموعة زوكربرغ وأصدقائه من المغامرين الإلكترونيين الصغار طويلاً، لأن الأمر قد خرج عن السيطرة تماماً الآن. ومثل الفيسبوك هناك تويتر ولينك إن وغيرهما من المواقع التي تتزاحم بالمناكب الآن للاستحواذ على نسبة ما ولو صغيرة من قالب الحلوى أيضاً.

كاتب من العراق

11