الواجبات المدرسية ترهق الآباء والأبناء

لا يتوقف الخلاف حول جدوى الواجبات المدرسية بالنسبة إلى التلميذ، فهناك من يعتبرها تطبيقا لما تعلمه في المدرسة حتى يترسخ بذهنه، إضافة إلى أنها تعلمه إدارة فترة معينة من وقته في المنزل باعتبارها تمثل همزة وصل بين المدرسة والعائلة، ويرى آخرون أنها قد تتحول إلى عبء إن لم يتمكن التلميذ من إنجازها في الوقت المتاح، أو عندما تتحول إلى وقت غير مفيد.
السبت 2015/10/17
الحافز الداخلي للطالب يحدد معدل استفادته من واجبه المدرسي

برلين- لم تحسم العديد من الدراسات المهتمة بجدوى الواجبات المنزلية، في ما إذا كانت نافعة أو ضارة، إلا أنها توصلت إلى نتيجة مفادها، أن الواجبات المدرسية التي يؤديها التلميذ في المنزل قد تكون مفيدة لبعض التلاميذ وضارة بالنسبة إلى الآخرين.

وفي هذا الإطار أظهرت دراسة ألمانية أنه كلما كانت الواجبات المدرسية التي يكلف بها الطفل أقل كلما عاش حياة سعيدة، وإذا كثرت تتحول حياته إلى بائسة، حيث ذكر 66 بالمئة من الأطفال الذين لم يكلفوا بواجبات مدرسية كثيرة أنهم “سعداء للغاية”، أما نسبة الأطفال الذين يقضون وقتا طويلا في أداء الواجبات المدرسية فبلغت 39 بالمئة.

وأوضحت الدراسة أن نصف الأطفال الذين تصل أعمارهم إلى ست سنوات يحبون الذهاب إلى المدرسة، وبلغت النسبة 16 بالمئة بين الأطفال البالغة أعمارهم 13 عاما. ومن جهة أخرى توصلت دراسة حديثة إلى أن ربع الآباء والأمهات لا يعرفون حل الواجبات المدرسية لأبنائهم، كما أن واحدا من كل ثلاثة آباء يقومون بالخلط تماما بين الواجبات المنزلية لأطفالهم.

وأكدت الدراسة أن 20 بالمئة من الأمهات والآباء اعترفوا بأنهم يتفقدون الإنترنت قبل النوم لمحاولة الحصول على اجابات للواجبات المنزلية لأبنائهم. كما أوضحت أن 55 بالمئة من الآباء يقضون أكثر من 40 ساعة في السنة في محاولة لمواكبة أحدث المناهج المدرسية لمساعده أبنائهم، بينما 36 بالمئة من الآباء يشعرون بعدم القدرة على مساعدة أطفالهم في أداء واجباتهم. وكشفت الدراسة أن 9 بالمئة من الآباء يستخلصون معلوماتهم من آباء آخرين بخصوص منتديات الدردشة، بينما 12 بالمئة من وسائل الإعلام الاجتماعي.

ومن جانبها كشفت دراسة أجراها علماء النفس بجامعة لندن، أن الأم يقع عليها العبء الأكبر في مرحلة التعليم، حيث يتوجب عليها متابعة طفلها لأنها أقرب أفراد الأسرة إليه وأعلمهم بأحواله، لذلك لا بد من متابعته في المدرسة ومراقبة تصرفاته مع زملائه ومساعدته في مراجعة دروسه وحفظها وتشجيعه أيضا في المجالات التي تلقى إقبالا لديه ورعايته للتفوق فيها وإثبات ذاته.

الواجبات المدرسية تختلف باختلاف المرحلة العمرية للطالب، ومستواه الدراسي والمادة الدراسية

وشددت الدراسة على ضرورة تأمين جو دراسي للطفل يساعده على التركيز والتذكر وتوفير الهدوء والراحة اللازمين لنفسيته وكل احتياجاته من الأدوات المدرسية بل وتشجيعه على شراء كل ما يحبه ويشتهيه مثل الهدايا كتعبير على تفوقه.

ونصحت الدراسة الأم بالامتناع عن توبيخ أو تعنيف طفلها والابتعاد عن اللجوء إلى أسلوب الضرب إذا عجز عن فهم أو استيعاب شيء حتى لا يتسبب ذلك في إنتاج سلوك سلبي لديه، وأوصتها بأن تحاول أن تبسط له الأشياء ولا تستعجل النتائج، فهو سيثبت ذاته عندما يكون مستعدا لذلك.

ونبّهت الدراسة، إلى ضرورة الابتعاد نهائيا عن مقارنة ذكائه بأخيه أو أصدقائه، فكل طفل له قدراته الخاصة التي يجب تنميتها والانفراد بها لأنها تميّزه عن الآخرين، وقالت إن الأم الذكية هي من تستطيع فهم مفاتيح شخصية طفلها لتعرف كيف تتعامل معه.

وأثبتت دراسة قام بها باحثون من أستراليا، أن أداء الطفل لواجباته المنزلية لساعات طويلة لا يجعله الأول بين أقرانه في الفصل الدراسي، وأن قضاء وقت أطول في أداء واجباته المنزلية له علاقة بتحصيل نتائج تعليمية أقل.

كما كشف بحث أميركي أن الدول التي يقوم فيها الطلاب بأداء واجبات منزلية كثيرة لا يترتب عليها تحقيق نتائج جيدة في الترتيب الدولي فيما يتعلق بالإنجازات العلمية على عكس الدول التي تفرض على طلابها واجبات منزلية خفيفة. ويرى ووكر، أحد أبرز الباحثين في هذه الدراسة، أنه “ليس هناك أدنى شك في أنه من بين الأغراض التي تكمن وراء التكليف بأداء الواجبات المنزلية من وجهة نظر المدرسة، تتعلق بسمعة المدرسة”.

وفي محاولة للتعرف على أفضل الطرق التعليمية التي تحقق أقصى استفادة للتلاميذ جمع أستاذ التربية النيوزيلندي جون هاتي نتائج أكثر من 50 ألف دراسة شملت ما يزيد على 80 مليون تلميذ. وتوصل هاتي إلى وجود مجموعة من العوامل التي تؤدي لنجاح العملية التعليمية، ومن بينها وجود علاقة جيدة بين الأستاذ والتلميذ، بالإضافة إلى اتباع تقنيات تعليمية معينة منها القراءة المتكررة.

وجاءت الواجبات المدرسية في ذيل قائمة هاتي، استنادا إلى تقرير نشرته صحيفة “دي فيلت” الألمانية، حيث أكد أنها تساعد التلميذ في العملية التعليمية بنسبة ضئيلة للغاية.

الطلبة الأكبر عمرا هم الأكثر استفادة من الواجبات المنزلية مقارنة بتلاميذ المرحلة الابتدائية

وأكد التقرير أن نتائج الدراسات حول جدوى الواجبات المدرسية تختلف باختلاف المرحلة العمرية للطالب ومستواه الدراسي والمادة الدراسية ونوعية الواجبات المدرسية نفسها. وأشار إلى أن نتائج الدراسات أظهرت أن الطلبة الأكبر عمرا والأعلى في مستواهم الدراسي هم الأكثر استفادة من الواجبات المنزلية مقارنة بتلاميذ المرحلة الابتدائية والطلبة ضعاف المستوى.

ولمعرفة كيفية تطوير نظام الواجبات المدرسية ليصبح مفيدا لجميع فئات الطلبة، حاول باحثون في معد هيكتور للأبحاث التعليمية بجامعة توبنغن الألمانية الإجابة عن هذا السؤال من خلال عمل بحثي ركز بالأساس على المدة التي يحتاجها التلميذ لأداء واجبه المدرسي.

وتوصل الباحثون إلى أن الحافز الداخلي لدى الطالب ودرجة اجتهاده هما المحددين لمعدل استفادته من واجبه المدرسي. كما تحدد درجة اهتمام التلميذ بالتعليم وبالمادة الدراسية الفترة التي يحتاجها لأداء الواجب وأيضا درجة الاستفادة.

وشددوا على أهمية معرفة مستوى الطالب الدراسي وما إذا كان من النوع المجتهد أو المتوسط، أم من نوعية الطلبة الذين لا يبحثون عن أكثر من مجرد النجاح في الاختبار بأقل درجات اجتهاد، وبالتالي لا تبحث عن ميزة إضافية من خلال الواجبات المدرسية. وقالوا إن الفئة الأخيرة عند أداء واجباتها المدرسية لا تقوم بإضفاء عنصر الاستمتاع على الأمر باعتبارها تبحث عن التركيز على الحلول النهائية للواجبات وما إذا كانت صحيحة أم خاطئة.

وحذر التقرير من قيام الآباء بأداء الواجب المدرسي نيابة عن أبنائهم، لأن هذا لا يؤدي لتحفيز الطالب أو تحقيق النجاح المطلوب، بل العكس. هذا وتعتبر أنجع صور الواجبات المدرسية تلك التي تعتمد على مبدأ “تعلم أن تتعلم”، وذلك من خلال تعليم وتدريب الطفل على وضع أهداف طموحة ومحاولة إنجازها خلال فترة زمنية محددة، مع التأكيد على وجود مكافأة في النهاية حال تحقيق النتيجة المرجوة.

21