الواحات البحرية مزار صحراء مصر للعلاج ومعانقة الطبيعة والتاريخ

الخميس 2015/04/02
تضم الواحات مقابر الأسرة الفرعونية، وغيرها من الكنوز الأثرية

القاهرة- الواحات البحرية هي إحدى واحات الصحراء الغربية في مصر، توجد على بعد 563 كيلومترا إلى الجنوب الغربي من محافظة الجيزة، تزخر بسحر طبيعتها الصحراوية وبمعالمها الأثرية الفريدة من نوعها، لكنّها تشتهر أيضا بعيون الماء المعدنية والكبريتية الدافئة والباردة، وتستمدّ خصوصيّتها أيضا من بدْوِها بحضارة الأجداد..

تحظى الواحات البحرية، الواقعة في الصحراء الغربية لمصر، بوجود 360 عينا للمياه المعدنية والكبريتية الدافئة والباردة. ورغم أنها تقع في قلب الصحراء، فهي غنية بثروة مائية هائلة، وقد أثبتت بحوث وتحاليل مخبرية عديدة، أجرتها جامعات ومراكز بحوث مصرية وأجنبية، أهميتها العلاجية لأمراض الروماتيزم والنكروز والروماتويد والأمراض الجلدية بدرجة تفوق بكثير ما توفّره مناطق كثيرة في العالم. ويقول العارفون بالمنطقة إنّ زيارة واحدة لعين سيجام بمدينة الباويطي تكفي لعلاج كثير من الأمراض، وكذلك عيون بئر حكيمة وعيون منطقة بئر حلفا وعيون البشمو، والعجيب أن كثيرا من هذه العيون تستمد ماءها من مصدرين أحدهما بارد والآخر ساخن ينتهيان إلى مجرى صخري عميق واحد.

عين الثرو هي أعجب هذه العيون، فماؤها يزيد تدفّقا كلما نهل الناس من معينها، وتقلّ وتنحسر كلما ابتعدوا عنها، حسب ما يردّده أهالي الواحات من حكايات تشبه الخيال أحيانا.

كثيرة هي المعالم الأثرية المتناثرة، هنا وهناك، في واحات الصحراء الغربية، فعلى امتدادها توجد مقابر الأسرة الفرعونيّة الـ26، كما تحوي أيضا جبانة الطيور المقدّسة، وبقايا قوس النصر الروماني، وأطلال معبد إيزيس، فضلا عن أطلال معبد يرجع إلى عصر الإسكندر المقدوني، وفي مقدّمة كلّ تلك الكنوز الأثرية ترتسم مقبرة وادي المومياوات الذهبية. كما تضمّ المنطقة مقابر ملوّنة ومزارات أثرية، لم تمسس أغلبها عوامل المناخ، وأشهر تلك الآثار القصر وعين المفتلا والباويطي والشيخ سوبي ويوسف سليم والحيز، ويتصدّر هذه الآثار وادي المومياوات الذهبية، الذي اكتشفه باحث الآثار، زاهي حواس، عام 2000.

ويقع الوادي وسط الواحات بالقرب من منطقة الباويطي، حيث عثر على 10 آلاف مومياء ترجع إلى العصر الروماني، ومعظم المومياوات في صناديق ذات أقنعة وصدور مذهبة ومزخرفة بالنقوش، فضلا عن الرسومات المصرية القديمة واللغة الهيروغليفية.

وتتوزّع المومياوات بين مجموعة مقابر محفورة في الصخر، تختلف من حيث حجمها واتجاه مدخلها، ويصل حجم بعضها إلى 75 مترا، ويزيد عرضها على 40 مترا، وبداخلها تراصّت المومياوات فوق مصاطب، وقد عثر على عملات برونزية تؤكد تاريخ هذه المقابر.

360 هو عدد عيون المياه المعدنية والكبريتية الدافئة والباردة في منطقة واحات الصحراء الغربية

قصة اكتشاف المقبرة تعود إلى طرفة حدثت لحارس المنطقة الأثرية المجاورة لمعبد الإسكندر الأكبر، فقد كان يسير راكبا حماره ليتفقّد المنطقة، فتعثرت قوائم حماره ليسقط الحارس، ويشتمّ روائح غريبة، ويشاهد ألوانا ذهبية تنبعث من حفرة بجانبه، فأبلغ المسؤولين عن دائرة الآثار، وجاء زاهي حواس، رئيس منطقة الأهرامات آنذاك، ليكتشف الكنز الأثري الدفين.

المعبد العظيم بمنطقة القصر، يعدّ من أهم المناطق الأثرية بالواحات، ويرجع إلى عهد الملك إبريس وأحمس الثاني، وبالمنطقة أيضا مقبرة قارة فيها مقبرة أول حاكم للواحات البحرية وهو أمنحوتب حوي، وتبدو المقبرة منقوشة وملوّنة، ويرجع تاريخها إلى الأسرة الفرعونيّة الـ18، والنصف الأول من الأسرة الـ19. وهذا إلى جانب منطقة التبينية التي تضمّ معبد الإسكندر الأكبر، وهو ثاني معبد يشيّده في الصحراء الغربية، فضلا عن عدّة مناطق صحراوية أخرى مثل المارون والدست والمغرفة.

تتسابق المشاهد في منطقة الواحات الشاسعة لتؤكّد لزوّارها أنّها عصيّة عن الحصر في توصيف دون سواه، فهي تضمّ أيضا ما يسمّى بالصحراء البيضاء البعيدة عن منطقة البويطي نحو 150 كيلومترا، ولكن عند الذهاب إليّها تزدحم الكثبان لتمرّر بالصحراء السوداء الواقعة في منطقة المارون، حيث ينتشر الحصى الأسود، وتبرز قمم الجبال المكسوّة بلون ليلي يدلّ سواده، لدى الخبراء، على ما يزخر به من معادن وحديد وبازلت.

الثراء الأثري والتاريخي لمنطقة الواحات البحريّة يصعب اختزاله في أسطر، لكنّ ما يضفي عليه حياة جديدة هو أهالي المنطقة، من خلال جهودهم للحفاظ على ما عرفوا به من تقاليد وأعراف تحتفي بثراء حضارة الأجداد.

وعلى امتداد هذه الأرض وهضابها وكثبانها الرملية المحتفية بالتاريخ تنتصب الخيام البدويّة في قلب الصحراء، وتشتعل النيران، وتنصب الولائم لاستضافة الزوّار والسيّاح، وتقام الاحتفالات وتنبعث الأناشيد البدوية، على أصوات عزف العود والسمسمية وغيرها من الآلات الموسيقية الوتريّة والإيقاعية الأصيلة.

لسكّان منطقة الواحات مشاهيرهم من الشعراء والفنّانين، على غرار مغنّي الواحات عبدالصادق وأحمد الشيمي وغيرهما، فلا مكان هنا لأن تستغرب كيف يترجم المنشد مفردات أغانيه بلغات متعدّدة للزوّار والسياح، فقد ورثوا فنونهم ومهنتهم عبر الأجيال.

20