الواحات التونسية تخفي بين نخيلها حضارة ثرية

تعد الواحات التونسية موطن حضارة موغلة في القدم وخزانا للعادات والتقاليد وحافظة اللغة العربية، وهي منطقة الشعـراء وحفظ القـرآن الكريـم ومرقـد علماء كبار وشيوخ أجلاء.
الاثنين 2015/11/02
الصحراء ليست قاحلة بل ولادة شعراء ومفكرين

تونس - تمتد الواحات التونسية مع امتداد الصحراء، حيث تعتبر واحة نفطة بوابة الصحراء للقادم من الشمال، وتبدو كأنها سجاد مخملي بسطته الطبيعة على عتبات الصحراء، حيث يتدفق فيها الماء من عيون طبيعية ثم ينساب في سواق صافية يروي الواحة الجميلة المزدانة بأنواع النباتات المختلفة.

ويتفق عدد من المؤرخين، وفي طليعتهم ابن الشباط التوزري، على أن مؤسس مدينة نفطة كان قسطل بن مام بن نوح عليه السلام بعد الطوفان. وعرفت في ذلك العهد باسم مؤسسها (قسطيلية) الرومانية.

وتعتز نفطة بتاريخها التليد، فهي نبطية الرومان وإحدى مدن الخوارج التي تأسست فيها دويلات عديدة.

وكانت نفطة بيت العلوم الإسلامية وحفظ القرآن، خاصة للطلبة الجزائريين وطلبة الوسط التونسي والجنوب الشرقي من أهل مدنين وتطاوين وبن قردان.

وتذكر نفطة زوارها بصنعاء والكوفة حتى منحتها مدارسها النحوية لقب “الكوفة الصغرى”، وتوجد فيها زاوية أبي علي السني العالم الكبير في المذاهب السنية، وخرج منها الخدر حسين الذي طغت شهرته الآفاق حتى احتل منصب شيخ الأزهر، ومنها انطلق أهم كتاب وشعراء تونس من البشير خريف حتى الميداني بن صالح، الذين ترجمت أعمالهم إلى عدة لغات.

قابس تحافظ على علامات تاريخها التليد، عندما كانت ميناء الصحراء ومحطة للقوافل، فمنها تنطلق الرحلات الطويلة إلى السودان وتشاد وبلاد الطوارق

أما المحطة الثانية فكانت واحة توزر، المدينة الإسلامية التي تعانق قبابها ومآذنها السماء، وهي ممتدة على أكثر من ألف هكتار، حيث يحلو لزوارها التجوال طويلا بين ظلالها الوفيرة ونخيلها المترامي ومياهها الغزيرة والخضرة الداكنة وجداولها الفضية ونسيمها العليل.

وأهم ما يميز واحة توزر أن ماءها يتدفق من منطقة راس العين عند سفح ربوة تشكل ينابيعها واديا حقيقيا ما زالت عليه آثار سدود قديمة، فقد استطاعت أن تحافظ على تقاليدها وأصالتها ولغتها العربية القريبة من الفصحى، كما تضم ضواحي مدينة توزر أطرف حديقة حيوان في العالم، حيث جمعت في مكان واحد كل نماذج الحيوانات الصحراوية من الغزال الجميل إلى العقرب الخطير.

بينما المحطة الثالثة هي واحة قفصة، عاصمة الجنوب الغربي، وهي مدينة لها ماض عريق تشهد على أصلها الروماني عدة آثار مازالت قائمة رغم تقلبات العصور كالمسبح العتيق وأطلال الحمامات، كما يقف جامع قفصة الكبير شاهدا على رسوخ الحضارة الإسلامية بأروقته التسعة وأسطوانته الجميلة. وأجمع المؤرخون على أن قفصة أقدم مدينة في القارة الأفريقية، حضارتها من أقدم الحضارات إذ تعود إلى ما يقرب من ثمانية آلاف سنة. ويذكر علماء الآثار ومؤرخو الحضارات بأن هذه الحضارة معروفة بالحضارة الكبصية أو القفصية، إذ أن هذه المدينة ومنذ عصور مضت ظلت مركز الحضارة في أفريقيا وأن سكانها كانوا ميالين للسلام محبين للعدل مقاومين للاستبداد ومنقطعين إلى العلم والزراعة والصناعة.

واحة الشبيكة قابعة بين الرمال تشهد على تحولات الزمن

وفي الشمال الغربي لتونس توجد ثلاث واحات صغيرة تبدو كالجواهر المكنونة بين جبال شامخة وهي واحات الشبيكة وتمغرة وميداس. فواحة الشبيكة قابعة بين الرمال تشهد على تحولات الزمن، بنيت من حجارة وتربة تبدو عن بعد وكأنها علقت على حافة الجبل. أما واحة تمغرة فتبدو كأنها كتل من صخر الصوان معلقة في الفضاء، يكتشف زوارها النخيل الباسق وشلالاتها وبساتينها وبيوتها البسيطة، وقد وجد علماء الآثار فيها بقايا أدوات عصور ما قبل التاريخ من آلات صيد ودفاع. بينما تصمد واحة ميداس بين جبلين مرتفعين عاريين واقفة على واد حفر في الصخر، وفيها يجد محب الآثار قطعا من الحيوانات البحرية التي يرجع تاريخها إلى الملايين من السنين.

أما المحطة قبل الأخيرة فهي واحة دوز معقل قبائل المرازيق التي اشتهرت بشجاعتها وجديتها، حيث تعتبر متحفا صحراويا بسبب حفاظها على العادات والتقاليد الصحراوية الراسخة في القدم، وتشتهر باحتضانها مهرجان الصحراء الذي ينظم في شتاء كل عام وأصبح مشهورا عالميا، حيث يكتشف الزوار كل عادات وتقاليد الصحراء من صناعات وفلكلور وغناء وطقوس ضربت جذورها في العهود القديمة.

وتكتمل رحلة الصحراء التونسية بزيارة الواحات البحرية وهي واحة قابس التي تشكل مكانا فريدا في العالم، إذ على أرضها يتعايش النخل المنسوب إلى الصحراء مع زرقة البحر، وتمتد فيها واحات النخيل كالعذارى مختالة على ضفاف البحر. ويعد وادي قابس شريانها الأساسي حيث يروي أكثر من مليون نخلة تغطي مساحات شاسعة من البساتين، أين تنبت أشجار الحناء، كما تنقسم إلى حيين عتيقين كبيرين هما جارة والمنزل وفي داخل واحاتها تسع قرى. وتنبعث من واحة قابس رائحة أشجار الحناء التي اشتهرت بزراعاتها، كما بقيت قابس محافظة على علامات تاريخها التليد عندما كانت ميناء الصحراء ومحطة للقوافل، فمنها تنطلق الرحلات الطويلة إلى السودان وتشاد وبلاد الطوارق.

20