الواحات التونسية وتمورها عطشى

في الوقت الذي تتبوأ فيه البلاد التونسية مكانة هامة في إنتاج التمور وأنواعها، يعاني أصحاب الواحات من أزمات عديدة ستؤثر حتما على مواصلة عملهم والاعتناء بنخيلهم الذي جعلوه مصدر رزق وسببا للاستقرار في الصحراء.
الثلاثاء 2016/01/12
فاكهة الصحراء تبحث عمن يشتريها

قبلي (تونس)- تعاني الواحات في الجنوب التونسي التي وفرت إمكانية استمرار “العمران البشري” في الصحراء، من العديد من المشاكل رغم أنها أصبحت في المدة الأخيرة مورد رزق للعديد من الشباب الحاصلين على شهادات عليا في اختصاصات متعددة، وتهدد مشكلة الري تمورها الطيبة، التي تينع تحت ظلال النخيل وهندسة مياه ابتدعها “ابن شباط ” منذ قرون وكانت نقطة جذب لسكان مروا منها.

وليد عميرة (31 عاما) متحصل على شهادة جامعية عليا منذ سنة 2006، لم يتمكن من الحصول على وظيفة لا في القطاع العام ولا الخاص، فاختار التوجه إلى الواحات حيث النخيل والعمل وإن كان موسميا مع ذلك غامر بمشروعه الخاص.

يقطن وليد في إحدى الواحات بقرية “الدبابشة” (شمال محافظة قبلي)، ويشرف على مجموعة من العمال تتكون من 6 أشخاص تجني البلح، يقول “منذ 2006 اشتغلت في الواحة وأصبحت مورد رزقي.. في السنوات الأولى كانت الأمور جيدة لكن الآن نعيش أزمة ترويج للتمور وانخفاض ثمنها مقارنة بمواسم سابقة”.

وعن أسباب هذه الأزمة يؤكد وليد، “لا نعرف الأسباب، كل شخص يقدم أسبابا، واحد يقول البنوك لم توفر سيولة من خلال الاقتراض لإنجاز مشاريع زراعية في الواحات والبعض يقول إن السبب هو رجال الأعمال”.

ويروج أن رجال الأعمال يحاولون أن يتحكموا في الأسعار من خلال شراء المنتوج بأسعار زهيدة وبيعها وتصديرها بالعملة الصعبة، محققين أرباحا خيالية دون عناء، وهذا يرهق الفلاحين الشباب الذين اعتمدوا على القروض البنكية للعمل في واحاتهم الصغيرة.

تبلغ نسبة مساهمة قطاع التمور من القيمة الإجمالية للإنتاج الزراعي التونسي 5 بالمئة وبنسبة 16 بالمئة من القيمة الإجمالية للصادرات الزراعية

ولم يخف عميرة تخوفه من تأثير الصراعات السياسية التي تشهدها البلاد على أزمة التمور التي تحدث عنها، وكذلك الصراعات السياسية أصبحت مشكلة لاقتصاد الدولة، كما يقول.

بدوره قال محمد مزهود (24 عاما) أحد الشباب الذين يشتغلون مع وليد، “في قبلي ليس عندنا أي مورد رزق سوى الواحات وأشجار النخيل، لكن هذه السنوات أسعار التمور تشهد تراجعا ملحوظا، وكذلك تنقصنا مياه الري”.

وبنبرة ملؤها اليأس والحسرة يضيف محمد “ليست هناك أي تشجيعات من الدولة ولا توجد سوى المشاكل والعراقيل ما يعني أن قطاع النخيل سيتراجع مع القطاع الفلاحي”. ووفقا لإحصائيات رسمية بلغ إنتاج التمور التونسية هذا الموسم حوالي 245 ألف طن مقابل 223 ألف طن الموسم المنقضي بزيادة في حدود 9 بالمئة.

من جهته، يقول العامل الخمسيني، عبدالله بن بلقاسم حبيق “يجب على الدولة توفير مياه الري والتخفيض من سعرها حتى نتمكن من مواصلة العمل في الواحات لزيادة إنتاج أشجار النخيل وعلى رأسها دقلة النمور (أجود أنواع التمور)”.

وتبلغ مساحة الواحات التونسية أكثر من 40 ألف هكتار فيها قرابة 5.4 مليون نخلة منها 3.55 مليون نخلة من الأصناف الجيدة لإنتاج التمور، وتعتبر واحات “نفزاوة” و”الجريد” أهم الواحات المنتجة للتمور التونسية الجيدة، حيث تنتج واحات منطقة “نفزاوة” (محافظة قبلي) قرابة 60 بالمئة من الإنتاج التونسي، وتأتي واحات الجريد (محافظة توزر) في المرتبة الثانية، ثم تأتي واحات أخرى أقل أهمية بمحافظات قفصة وقابس وتطاوين.

غياب التشجيع الحكومي يحبط الفلاحين
أمام مجمع مياه الواحة، جلس عبدالله، مزارع في الثمانين من عمره، يراقب مياه الري ويتحسس حرارتها.

عبدالله يقول، ”بفضل هذه المجمعات تحسنت مياه الري، الآن أصبح الوضع مختلفا عن السابق، حرارته تقلصت بعد أن كانت تتسبب في موت الأشجار، وكمياته ازدادت وطريقة توزيعه في تحسن متواصل، الأمر الذي ساهم في ارتفاع الإنتاج”. لكن ارتفاع تكاليفه تبقى عائقا يرهق الفلاحين الصغار.

وتبلغ نسبة مساهمة قطاع التمور من القيمة الإجمالية للإنتاج الزراعي التونسي 5 بالمئة وبنسبة 16 بالمئة من القيمة الإجمالية للصادرات الزراعية، كما يوفر القطاع مليوني يوم عمل ومورد رزق لقرابة 50 ألف عائلة.

وأرجع مسؤولون محليون أزمة التمور إلى تراجع التصدير وتراجعت تبعا لذلك الأسعار في السوق المحلية، بسبب الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد ككل ونقص السيولة لدى البنوك، الأمر الذي أثر على رجال الأعمال ولم يعد قطاعا جاذبا للاستثمار، حسب قولهم.

وتحتل تونس حسب المنظمة العالمية للتغذية والزراعة، المرتبة الأولى عالميا في قائمة البلدان المصدرة للتمور باعتبار العائدات المالية للتصدير، حيث بلغت صادرات تونس من التمور في 2015 حوالي 100 ألف طن، بعائدات تناهز 460 مليون دينار (حوالي 230 مليون دولار)، مقابل 87 ألف طن بقيمة 382 مليون دينار (حوالي 191 مليون دولار) خلال موسم 2014. وتصدر تونس تمورها إلى حوالي 70 سوقا عالمية واستأثرت السوق المغربية وحدها بنحو 24.5 ألف طن مقابل 21 ألف طن موسم 2014.

20