الوادي المنسي في جورجيا مصدّر رئيسي لأمراء الجهاديين

تذكّر دراسة صدرت عن معهد أبحاث السياسة الخارجية الأميركية بأن خطر التهديدات الإرهابية لا يتأتى فقط من الذئاب المنفردة والجيل الناشئ من الجهاديين المجنّدين عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بل قبل ذلك يتأتّى من جبال القوقاز والمنطقة الأوراسية التي جاء منها المرتزقة الشيشانيون الذين يقودون التنظيمات الجهادية في سوريا والعراق ويشرفون على تدريب هؤلاء الناشئين من الجهاديين.
الجمعة 2015/07/31
العداء التاريخي لروسيا يشحن التواجد الشيشاني في صفوف التنظيمات الجهادية في سوريا

تبليسي (جورجيا) - منذ دخول الإسلاميين، وبالتحديد الجهاديين، على خط الصراعات الدائرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ووصول خطرهم إلى العواصم الأوروبية، تركّز اهتمام المختصين، على المصدّرين الجدد لهؤلاء الجهاديين.

ومقابل التركيز على ظاهرة الذئاب المنفردة ونجاح حركات جهادية مثل جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية في استقطاب الشباب، من دول مثل تونس وفرنسا، قلّ الاهتمام بالوجه الآخر للخطر والصانع الرئيس له، وهم الجهاديون التقليديون، القوقازيون، بشكل خاص، والذين يشكّلون اليوم نواة التنظيمات المتشدّدة ومدرّبي مقاتليها الناشئين.

وفي هذا الإطار تتنزل دراسة صدرت حديثا عن معهد أبحاث السياسة الخارجية الأميركي، أعادت تسليط الضوء على الخطر القادم من تلك المنطقة عبر استحضار سير أبرز الأمراء الشيشانيين، المشاركين في الصراع في سوريا والعراق،، ودورهم في صياغة خططه العسكرية والقتالية، ومدى تأثيرهم على الجيل الناشئ من المقاتلين.

ويتّخذ معد الدراسة، مايكل سيسير، وهو باحث مختص في الشأن الأوراسي، منطقة وادي بانكيسي (الوادي المنسي) الجورجية كمثال لأطروحته؛ حيث ينقسم المقاتلون الشيشانيون في سوريا والعراق إلى قسمين أساسيين: الأول من الطلاب الشيشانيين الذي كانوا يدرسون العربية والدين الإسلامي في الدول العربية. والثاني شيشانيون قدموا من وادي بانكيسي، شمال شرقي جورجيا.

وتعرف منطقة وادي بانكيسي، التي يقطنها أقل من 10 آلاف من الشيشانيين الكيست، منذ أعوام، بأنها ملاذ آمن للجهاديين ومركز رئيسي لتدريب المقاتلين المتشدّدين وتصديرهم إلى العالم.

التطرف في بانكيسي

تحتاج المنطقة إلى تنظيف سمعتها، هذه السمعة التي اكتسبتها المنطقة في أعقاب الحرب الشيشانية الثانية كمصدّر رئيسي للمقاتلين الشيشانيين الكيست (معظمهم مسلمون سنّة) إلى سوريا والعراق، على غرار طرخان باتيرشفيلي (المعروف باسم أبو عمر الشيشاني)، وهو أحد قادة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا.

منطقة وادي بانكيسي ملاذ آمن للجهاديين ومركز رئيسي لتدريب المقاتلين المتشددين وتصديرهم

ولم تكتسب منطقة وادي بانكيسي سمعتها ظلما، حيث أن المتمرّدين الشيشانيين هربوا من الانتقام الروسي خلال الحرب الشيشانية الثانية، ليجدوا في المنطقة الجورجية الوعرة المتاخمة للوادي ملجأ لهم إلى جانب توافد المقاتلين الأجانب الإسلاميين لنصرتهم في قضيتهم. وتحالف العديد من الكيست مع التشكيلات الإسلامية. وقيل إن ممثل تنظيم القاعدة في المنطقة، أبو حفص الأردني، أقام معسكرات تدريب في بانكيسي عام 2003 بناء على أوامر من أسامة بن لادن.

واليوم، هناك عدد من المقاتلين الأجانب في سوريا والعراق، بعضهم في مراكز قيادية مؤثّرة وصانعة للقرار، والذين تبيّنت علاقتهم بالمنطقة الجورجية. وتفيد التقديرات الأكثر مصداقية عن مقاتلي بانكيسي في سوريا والعراق أن عددهم يتراوح بين 30 و50 مقاتلا، وهو أقل بكثير من التقارير الواردة في العديد من وسائل الإعلام، إلا أن أهميته تأتي من تأثير هذا العدد القليل على حوالي 8 آلاف من الكيست وأيضا من قدرته على إنتاج عدد من الأمراء الإسلاميين الذين يقودون التنظيمات الجهادية في سوريا، على وجه الخصوص.

ويتوقف مايكل سيسير عند أبو عمر الشيشاني، الذي ولد في وادي بانكيسي، ويصفه بالقوة الدافعة وراء تقدم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق في الصيف الماضي. ومع ذلك، يبدو أبو عمر الشيشاني أنه القائد الجورجي الوحيد المهم في تنظيم الدولة الإسلامية. في المقابل، يميل القادة الجورجيون من المتشددين الإسلاميين إلى قيادة فصائل إمارة القوقاز. ويعود ذلك بشكل كبير إلى موقعهم كأشخاص معزولين في الفضاء الثقافي الشيشاني، وعلاقة ذلك بتفاعلات الكيست (أو مشاركتهم) في صراعات الشيشان مع الحكومة الروسية.

أحد القادة الآخرين المعروفين هو مسلم الشيشاني، ويعرف أيضا باسم مراد مارغوشيفيلي، وهو أيضا من بانكيسي، ويقود فصيل جند الشام في مدينة اللاذقية السورية. وهناك شخص آخر يعرف باسم سيف الله الشيشاني (رسلان ماشاليكاشيفيلي)، قيل إنه قتل خلال الهجوم الذي قاده على سجن حلب المركزي عام 2014. وتشير الدراسة في هذا السياق إلى أن خلافا نشب بين سيف الله الشيشاني و أبو عمر حول إقامة تحالف بين إمارة القوقاز وجماعة جيش المهاجرين والأنصار مع تنظيم داعش.

العديد من المقاتلين الأجانب في سوريا والعراق في مراكز قيادية مؤثّرة

الاسم الآخر الذي يذكره مايكل سيسير هو جيورجي كوشتاناشفيلي، ويعرف في صفوف الجهاديين باسم صلاح الدين الشيشاني. وقد قام هذا الأخير بإعادة تشكيل جيش المهاجرين والأنصار؛ فيما يقود لواء أنصار الشام في سوريا أبو موسى الشيشاني، الذي لا يعرف اسمه الحقيقي، وهو أيضا أمير جهادي آخر تعود جذوره إلى منطقة وادي بانكيسي.

نشاط المرتزقة

استنادا إلى مصادر إعلامية محلية وشبكات التواصل الاجتماعي، أحصي منذ عام 2013 إجمالي 30 شخصا على الأقل من الجورجيين الشيشانيين الذين يقاتلون في الساحة السورية – العراقية (واثنين من غير المقاتلين)، منهم 26 مقاتلا من المحتمل أنهم من منطقة وادي بانكيسي. وتفيد الأنباء أن 17 من بين الستة والعشرين لقوا مصرعهم.

وعلى نطاق أوسع، ينظر للشيشانيين (وهي صفة باتت تطلق على كل الجهاديين القادمين من الجمهوريات الإسلامية التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي) في جميع أنحاء المنطقة على أنهم المقاتلون الأكثر شراسة وإقداما. وقد عمل الشيشانيون كمرتزقة في وحدات النخبة المملوكية المصرية والانكشارية العثمانية.

وفي العقدين الأخيرين، شارك المرتزقة الشيشانيون في حرب ناغورنو كاراباخ بين 1988 و1994، والحرب بين جورجيا وأبخازيا بين 1992 و1993، وحرب أوسيتيا الجنوبية في عام 2008، ويشاركون في الصراعات الجارية في سوريا وأوكرانيا.

ومن المعروف جيدا أن الشيشانيين يقاتلون لصالح الانفصاليين الموالين لروسيا في شرق أوكرانيا، ولكن هناك أيضا تشكيلات شيشانية مؤيدة لكييف. ويعلّق الباحث على ذلك قائلا “يبدو أن الشيشانيين، يوجدون في كل مكان”، وما يحملهم على ذلك هو البحث عن المغامرة والثروة والشهرة.

البلد الثالث

حمزة بورشاشفيلي قد يكون الشخص الأعلى رتبة والأكثر شهرة بين المقاتلين الكيست في تنظيم داعش. وقد كشف ملف الفضائح الجورجية في صحيفة كفيريس باليترا الذي ظهر بعد ذلك على صفحات صحيفة ذي ديلي بيست، أن حساب صهر بورشاشفيلي -وكذلك حساب شقيقه خالد- اللذين ينشطان في صفوف داعش يعدان دليلا على النفوذ المتزايد للمتطرفين في الوادي.

في الوقت الذي يبدو فيه أن مشكلة المقاتلين الأجانب في بانكيسي هي حالة ضيقة الانتشار، إلا أن آثارها واسعة وتأثيرها طويل المدى

لكن قصة بورشاشفيلي، الذي يزعم أنه تقلد مناصب ريادية في التنظيم يعود لكونه عضوا موثوقا به في جماعته، وهو ما يظهر الدور الكبير الذي يلعبه البلد الثالث في تسهيل تدفق المقاتلين إلى سوريا. وعلى سبيل المثال، يقال إن رستم جلاييف، نجل القائد الشيشاني، ذهب في البداية إلى مصر من أجل الدراسات الإسلامية قبل أن يظهر في سوريا، حيث لقي حتفه في وقت لاحق.

وحتى الآن، تعتبر تركيا هي البلد الثالث الأكثر شيوعا. وتعتقد أسر المقاتلين الكيست أن أقاربهم ذهبوا إلى تركيا. وتركيا هي أيضا بلد مهم في رحلات كل من أبو عمر الشيشاني، وبعد ذلك أمير جبهة النصرة سيف الله الشيشاني إلى سوريا. وقد انتقل سيف الله إلى تركيا، ليتم تجنيده في إسطنبول.

وفي الوقت الذي يبدو فيه دور البلد الثالث غير رسمي في كل الحسابات، إلا أنه من الواضح أنه يلعب دورا مهما في أيّ ميل نحو التطرف، أو على الأقل، فهو العقدة التي يتم من خلالها تجنيد المقاتلين. وهذا قد يوحي بأن التجنيد يتم في المستوى الأدنى في المنطقة المحلية، على غرار حالة وادي بانكيسي، في حين من المؤكد أن هذا العامل يلعب دورا جزئيا في تحويل الرجال إلى مقاتلين أجانب.

في الوقت الذي يبدو فيه أن مشكلة المقاتلين الأجانب في بانكيسي هي حالة ضيقة الانتشار، إلا أن آثارها واسعة وتأثيرها طويل المدى، وهي حالة يمكن تعميمها أيضا على الدول الجدية المصدّرة للجيل الناشئ من المقاتلين الجهاديين. ويخلص مايكل سيسير إلى أن هناك مقاتلين مختلفين ينضمون إلى التنظيمات المتطرفة ولأسباب مختلفة، لذلك تحتاج السياسات المعتمدة لمكافحتها إلى تكييفها مع تنوع تلك الظروف.

7