الواقعية الهذيانية

الجمعة 2017/01/27

حين منحت لجنة نوبل للآداب جائزتها للروائي الصيني مو يان عام 2012، أشارت في تقريرها إلى أنه “يمزج الحكايات الشعبية بالتاريخ، وبما هو معاصر من خلال واقعية هذيانية”. وقد أكّد مو يان صحة ما ذهبت إليه اللجنة حتى في خطابه الذي ألقاه في حفل استلام الجائزة، فقد استغرق أكثر من ساعة، وهو يروي فيه مجموعة حكايات ذات طابع واقعي هذياني عن مراحل مختلفة من حياته وعن أسرته، مبينا أنه كان في صباه ميّالا إلى الثرثرة والفضول وانفراط اللسان، ما جعل والدته يعتريها القلق والهواجس لأنه سيجلب لها المتاعب والمضايقات.

بعد قراءتي الترجمة العربية لروايتي مو يان “الثور” و”الذرة الرفيعة الحمراء”، استوقفني المحمول الدلالي لمصطلح “الواقعية الهذيانية”، فوجدته يختلف عن محموله الدلالي في كتابات بعض النقاد العرب. إنه يشير، كما فهمت من التقرير، إلى ضرب من السرد العجائبي، الشبيه بالسرد الذي انتهجه كتّاب الواقعية السحرية، كما أنه ينطوي على خيط خفي من السخرية السوداء المريرة. في حين أنه يدلّ لدى العديد من النقاد العرب على المشاهد المكتوبة بلغة هذيانية خلال الأحلام، أو الناتجة عن اضطراب عقلي يتميز باختلاط أَحوال الوعي. ولا شكّ في أن ثمة فرقا كبيرا بين الدلالتين، فالأولى تقدّم توصيفا للطريقة التي ينهجها الروائي في الحكي عن الواقع، أما الثانية فإنها تقصره على البوح اللاشعوري المشوش الذي يصدر عن الشخصيات في الأحلام، أو في أثناء إصابتها بمرض نفسي، الأمر الذي يجعل المصطلح، بهذه الدلالة، ينطبق، في رأيي، على تيار الوعي أكثر من انطباقه على الواقعية الهذيانية.

يرسم مو يان في رواياته لوحات سردية لعالم الريف الصيني بطابعه البدائي الغرائبي المرعب، القائم على الخشونة والقسوة، عالم الفلاحين وعاداتهم وتقاليدهم وخبراتهم الحياتية قبل الثورة، إبان الاستعمار الأجنبي (الياباني)، وفي ظل القهر السياسي، وتدني القيم الأخلاقية، وانتشار الظواهر السلبية (الرشوة، والفساد الإداري، وضياع حقوق الإنسان البسيط) في مجتمع الصين الحديثة بعد الثورة الماوية، والتمازج المهول الذي يصل إلى حد التماثل بين البشر والحيوانات والطيور والنبات وكل مظاهر الطبيعة، متأثرا بعالم ماركيز الواقعي السحري، وناهلا من تقاليد الحكي الشعبي في بلاده. وتتوارى خلف نهج مو يان الغرائبي نزعة فلسفية تتمثّل، كما يقول مترجم روايته “الذرة الرفيعة الحمراء” حسانين فهمي حسين، في الغوص والتأمل في جوهر الحياة الإنسانية، والكشف عن مزايا ومساوئ النفس البشرية.

في الرواية العربية سبق الروائي المصري خيري شلبي نهج مو يان بنحو عقدين، متأثرا بالواقعية السحرية أيضا، ففي العديد من رواياته يشرّح المجتمع الريفي المصري، من خلال الغوص في عالم قرية القاع، قرية الفلاح المعدم، وتتحول فيها المادة إلى كائنات حية تعيش وتخضع لتغيرات وتؤثر وتتأثر، وتتحدث الطيور والأشجار والحيوانات والحشرات وكل ما يدب على الأرض، حيث يصل الواقع إلى مستوى الأسطورة، وتنزل الأسطورة إلى مستوى الواقع، لكن القارئ يصدّق ما يقرأ ويتفاعل معه.

والغريب أن كلا الروائيين، مو يان وخيري شلبي، ولد وترعرع في الريف، وعاش شطرا من شبابه في شقاء وبؤس ومعاناة شديدة، ممتهنا العديد من المهن والحرف المتعبة، الأول عمل أجيرا في مصنع للزيوت، والثاني عمل في الخياطة والنجارة والسمكرة وبائعا متجولا في الترامات. وكان لذلك أثر كبير في توجههما إلى الكتابة عن عالم الفلاحين والكادحين والمهمشين الذين يعيشون في القاع الاجتماعي. لكن حظ مو يان كان أوفر من حظ خيري شلبي، فقد فاز بجائزة نوبل، بينما لم يفز بها شلبي، رغم أن مؤسسة “إمباسادورز” الكندية رشحته للحصول عليها.

كاتب من العراق

14