الواقعي السحري يترجل عن موكب السياسة والشعر

الثلاثاء 2015/04/14
مزيج بين الموهبة والحس الأخلاقي

مع وفاة الروائي الألماني توماس مان عام 1955 والشاعر الألماني برتولت بريخت عام 1965 انتهى عهد هام من تاريخ الأدب الألماني في القرن العشرين. ومقارنة بهما، لم يكن غونتر غراس (1927-2015) أعظم من كتب بالألمانية في عصره، ولكنه كان أبرز وأوعى الشهود الشعريين والسياسيين عليه. عاش الاثنان عصرا استفحلت فيه الأسئلة الوجودية، وعدم الإجابة عليها إجابة شافية. غراس وحده قدّم الإجابات، مذكرا الألمان أن منتصف القرن كان بمثابة عهد من الرعب.

وبمواهبه الأدبية وحسه الأخلاقي خاض اهتياج الحرب العالمية الثانية حين تجنّد في سن السابعة عشرة -والرفض وقتذاك كان معناه الموت- في سلاح الطيران الألماني، فشهد كيف “كان الموتى يدفنون موتاهم”. لم يدرِ أحد بدوره في الحرب إلا بعد أن جاهر بكلمات تقطر ألما بمشاركته فيها قبل صدور سيرته الذاتية “تقشير البصل”، “إن صمتي طيلة كل هذه السنوات هو أحد الأسباب التي دعتني إلى كتابة هذا الكتاب، كان لا بدّ أن أكشف أخيرا الحقيقة”.

الوجه المنسي من التاريخ

لم تكن الرواية الألمانية قبل غراس قد ثبّتت أقدامها في الواقعية الأوروبية، إذ الألمان سبقهم الإنكليز والفرنسيون بعدة سنوات، والواقعية كما نعرفها على يد ديكينز تلكأت في الانتقال إلى ألمانيا. اضطلع غراس بمهمة تطويرها، ونال نوبل عام 1999 لأن “حكاياته الرمزية السوداء العابثة تصور الوجه المنسي من التاريخ”.

ولا عجب، فقد تجذّر على يده الأدب الألماني في القرن العشرين من خلال تجليات عدة، أبرزها رواية “طبلة الصفيح” (1959)، نص أصيل لافح يعبّر عن الواقعية السحرية وهو يكشف عن مكر النازية التي تسلقت ظهر المجتمع الألماني وأكتافه ثم خنقته خنقا.

يرفض بطلها أوسكار أن ينشأ في عالم من الانحلال الأخلاقي، وفي مشاهد له وصفها أحد النقاد بأنها “لوحة لبيكاسو”، يلطم جيلا كاملا وهو يهجو من أغرتهم الأفكار النازية، مثل والديْ غراس.

انتقص بعض النقاد من قيمة الرواية لدرجة أن أحدهم وصمها “بالإباحية التجديفية”. ومع ذلك نالت تقديرا سينمائيا بعد أن استلهم منها المخرج فولكر شلوندورف فيلما فاز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان وجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي.

وبهذه الرواية أرسى غراس دعائم مفهوم الواقعية السحرية، مرسخا الهدف منها، ألا وهو القبض على اتحاد الأضداد، اتحاد قد يتراءى متناقضا في الظاهر، يسبر التناقضات القطبية كالحياة والموت، أو الماضي ما قبل الاستعماري في مقابل الحاضر ما بعد الصناعي. وشأنه شأن مواقف غراس، كثيرا ما يتسم أسلوبه بوجهتيْ نظر متعارضتين، تعتمد إحداهما على رؤية عقلانية للواقع والثانية على قبول الخوارق باعتبار كلّ منهما حقيقة معتادة مجرّدة من الخيال.

الفضائل الأخلاقية

طالما انجذب غراس إلى السوريالية غير أن أدبه يغلب عليه حس أخلاقي حثه على رسم شخصيات تجسد العفة المسيحية. وهنا يتراجع منظور التطور الروحي عند غراس خلف سلسلة من المغامرات في سياق “الكارثة تلو الكارثة”. فهو لا يمارس الأخلاق بدعوى التفوق ولا يلَوّح بتصريحات مباشرة تلمّع القيم. وبديلا عن الغائية المتعمدة، يلعب الحظ والصدفة دورهما في هذا الأدب، لتتوارى النشوة الدينية في سبيل مجرد البقاء على قيد الحياة. وحين يقبل بالفعل الخلاص، يهرع في صورة إغراء للجسد أو نصرة لقضية الشيطان.

ومثله مثل تشارلز ديكينز وجيمس جويس وضع غراس مسقط رأسه، مدينة دانتزغ، نصب عينيه، وفي مركز مخيلته الشعرية. وأجمل ما كتبه يستحضر ذكريات المدينة ويحتفي بها. ثمة إحساس ما بالتقوى يربطه بها، شواطئها وسكانها وصراعاتها القومية المميتة. وإيقاع اللحن الحزين التي يغنيه راوي رواية “طبلة الصفيح” من أجل المدينة يبيّن الهوس بالمكان الذي يدفع نثر غراس.

بينما توحي بعض قصائد غراس بأنه، بعد نجاح “ثلاثية دانتزغ”، شعر بأن المجاز خسر بعض حريته في التعبير عن هذا التوتر الطفولي المنطلق من الأحكام الأخلاقية الذي رأيناه في الثلاثية. وتأثير أدب كافكا ذي المغزى الأخلاقي الشائع في كتاباته واضح تمام الوضوح، إنه إرث أوسكار بطل روايته الأشهر الذي سرّب الوعي بالذات إلى المجال الاجتماعي. كان غراس قد وطّد أقدامه الشعرية قبل نجاحه منقطع النظير في كتابة الرواية.

لا تخفى على أحد مواقف غراس السياسية؛ دعا أهل بلده إلى نبذ التعصب والشمولية، وكان من أشد المؤلفين الألمان الذين عادوا إسرائيل واستنكروا مرارا عنصريتها. ذكر في إحدى حواراته أنها “قوة نووية لا تخضع لأية رقابة، متجاهلة العديد من قرارات الأمم المتحدة. تسرق الأرض منذ سنوات وتهجّر أصحابها، وتنظر إليهم باعتبارهم بشرا من الدرجة الثانية”.

لم يعبأ ولا شك حين منعته إسرائيل من دخول أراضيها في خطوة طفولية عام 2012 بعد أن كتب قصيدة “ما يجب أن يقال”، اتهم فيها إسرائيل بالتخطيط لإبادة إيران وتهديد الأمن العالمي، متشككا في طبيعة دعم الألمان لإسرائيل، لا حكومة، وإنما شعبا.

كان غراس دائم الانتصار لقيم الديمقراطية، وقد وجد في أدبه ما يستغله في سبيل هذا الغرض، لم يكن دارس النحت والرسم رومانسيا على أرض الواقع، صرح في أكثر من مناسبة أن الأعمال الفنية بمثابة ظاهرة عقيمة تاريخيا، مجردة من أية نتائج العملية، “وهنا تكمن عظمتها”.

رجل التناقضات

وقف غراس في حياته شامخا في وسط ثقافي ألماني لا يزال يعاني الاستقطاب السياسي والانقسام الشعري، وتميزه يكمن في خطوات حذرة اتخذها في المسافة الواقعة بين بريخت وجوتفريد من خلال اضطرابات الستينات وما بعدها. عدّه المراقبون موقفا متوازنا، يشبه في الظاهر موقف شيموس هيني بعدها بعقد من الزمان في إيرلندا الشمالية، يؤيّد فيه الشاعر ما لا يرضى عنه شفويا في سبيل خدمة القضية الكبرى، ولكن غراس كان واعيا بأن الشعر يصرّ على احتلال منطقة حرة من الإبداع.

والحق أن الأدب الألماني اصطبغ بصبغة سياسية أشدّ راديكالية من إيرلندا. وكان ردّ فعل غونتر غراس على من أصروا على “الالتزام بالقضية” هو أن انخرط في السياسة الحزبية في مستهل الستينات.

وما أراده من هذه الزعامة المتنامية هو “حريته في أن يصير مهرجا” في تناقض تام مع بعض تصريحاته المتصادمة مع النظام السياسي وقتها وفي العقود التالية. هل كان يتلاعب بالجانبين؟ وهل كان يلجأ إلى الاستعارة حين يودّ توجيه ضربة أقوى سياسيا، ويبادر بالهجوم الشعري حين يحلو له؟

14