الواقع أكبر من كل احتمال

الخميس 2016/04/07
عالم يفرِضُ فيه الروائيُّ الحدَثَ

أمام السؤال الذي طرحَتهُ مجلة الجديد في عددها الأخير الذي تساءل عمّ يكتبه الروائيون وخيوط الدم تحاصر المكان الجغرافي وتجعل الزمان متثاقلا نحو السقوط الحر في تكوين المخيال الأدبي، أمام ذلك السؤال تراوحت إجابات الكتّاب العرب ولكنها انتظمَت في خطٍّ رفيع يتقارب في نقاطِهِ بأن الحدث أكبر من كتابته، فكيف تسرق قارئاً انشدَّ نحو التلفاز يتسابقُ مع الحدث إلى عالم يفرِضُ فيه الروائيُّ الحدَثَ ويديرُه في مخالفة واضحة لصيرورته الزمانية والمكانية على أرض الواقع.

لا بد من الإقرار أنه فيما لو طلَبت شركة إنتاج سينمائية من مُخرِجٍ فذ إنجاز مشاهد درامية تمتد عبر خمس سنوات لدمار بلاد كاملة واحتراق مدن بتكوينها الديمغرافي والعرقي، لمَا استطاع ذلك المخرج بأدواته كافة، إكمال فيلم يصل في تراجيديّتِه إلى الواقع الذي نراه بأم العين، حيث نحن الشهود حاملي القلم فكنا على هامش الحدث بينما صار أصحاب السلاح هم متن النص وحواشيه.

من هنا يمكن الاعتراف أن الواقع أكبر من كل احتمال، لكن ماذا على من اكتوى بما حدث ويحدث أن يفعل من موقِعِه ككاتب أتقَن صنعته، فالقصص الروائية منثورة اليوم على قارعة الطرق بانتظار ناقل مغامر لحدث لم يكتمل بل وُلِد ناضجاً بكل أبعاده الإنسانية، فهل يكون الحدث في هذه الحالة هو الحامل الموضوعي للنص أم أنَّ التقنية المغايرة لما هو سائدٌ تكون بطاقة العبور لنص جديد.

بهذا الشكل يمكن الالتفات إلى انتباه العالم مؤخراً إلى اختراق الأدوات الصحافية التي قد يحملها الكاتب الروائي لعالم المخيال الأدبي، ربما جاء ذلك في أعقاب فوز سفيتلانا ألكسفيتش بجائزة نوبل للآداب، وهي التي قدّمت أدباً لا يشبه السائد بين أبناء جيلها، فمازجت بين العمل الصحافي والبناء الروائي لتكون الرواية عندها تقريرا موسعا يعتمد على تقنية الريبورتاج وخصائصه الفنية، هذه الخلطة التي رحب بها العالم، هاجمَها غالبية الكتَّاب العرب انطلاقاً من طهرانية الأدب وترفُّعه عن الصحافة وتقنياتها.

الممازجةُ بين أدوات الصحافة والأدب بارتكاز القول والحكاية إلى الواقع وشهوده وضحاياه وجلاديه بذات الوقت ما يمكنه من استيعاب التسارع الحاصل من نقطة الإنطلاق نحو الدال والمدلول، نحن ككُتّاب اكتوينا بما حدث ويحدث علينا أن نتجاوز نظرية تشومسكي في الاتصال وقطبيها بين المرسل منه والمرسل إليه، لتكون نظرية عربية خالصة في كتابة الرواية الحديثة لأن الكاتب هو المتلقي، وهو بذات الوقت جزء من اللعبة التي يُدير شخوصها، حيث يكون بكينونته الحقيقية الإنسانية نسخة أصلية أو طبق الأصل من أبطاله.

لا غرابة اليوم إن علِمنا أن الحدث السوري والعراقي تحديداً بات يشكل منبعاً كاملاً للحكايات التي يستقي منها أدباء الغرب أحداث نصوصهم، فمنذ فترة دُعيتُ إلى مركزِ بوزار الثقافي في بروكسل لإجراء قراءات أدبية بمناسبة يوم الكاتب السجين، حينها وقفت في مواجهة صادمة مع الكثير من النصوص لكتَّاب من مختلف قارّات العالم يتحدّثون عن فضاءات سردية تجري في أحياء حمص وحلب والموصل والشام، كانت الأدوات الصحافية ظاهرةٌ في تلك النصوص سواء من خلال التقنيات أو من خلال أحد أصوات السرد الرئيسية التي تأتي على لسان صحافي ينقل الأحداث لآخرين من مُنطَلَق السارد العليم.

النقاد والكُتَّاب العرب يقبلون نصوصا من آخرين خارج جغرافيَّتِهِم يتناولون من خلالها أحداثاً تدور في شوارع مدننا العربية بينما يمنعون حق التناول عن

كاتب عربي ارتبط بذاكرتِهِ كاملةً في تلك الضواحي التي تنهار اليوم ومعها ترحلُ أجزاء من ذاكرتنا، يرفضون ذلك من الكاتب العربي تحت عنوان عريض مفادُه “إنَّ الحدث لم يكتمل أو لم ينضُج”، وكأنَّ على الأديب العربي انتظار اكتمال دائرة النار على الأرض والإنسان معاً ليحقَّ لهُ القول عن جراحِهِ وآلامِه.

15