الواقع أنانية وخداع وزيف والسرد مدينة فاضلة

الثلاثاء 2014/09/23
الفاخري يفوح على القارئ بشذا اللغة الجميلة التي يحسن التعامل معها

تأتي مجموعة “سحابة مسك”، الصادرة، حديثا، عن “دار الكتب الوطنية” في بنغازي، بعد عدّة أعمال قصصية وشعرية للكاتب الليبي جمعة الفاخري، إذ يطلّ علينا هذه المرة بمجموعة قصصية. يضم العمل خمسين قصة قصيرة جدا، ليؤكّد لنا أنه ما زال يمسك بعصا اللغة السحرية التي تستطيع أن ترقّع ما اهترأ من نسيج الواقع المؤلم، وتطيّب الخواطر المكسورة.

الكاتب الليبي جمعة الفاخري يعلنها صريحة من خلال العنوان “سحابة مسك”، رائحة زكية، وضوعا طيبا، يفوح على القارئ بشذا اللغة الجميلة التي يحسن الفاخري التعامل معها، بعبق إنساني يبقى مفتونا بجمالياتها الآسرة.


علاقات أنانية


على مدى صفحات المجموعة يرصد الفاخري العلاقات الإنسانية المشدودة إلى بعضها بعضا بخيط السرد الذي لا يترهّل، تلك العلاقات التي قد يشوبها الفتور، وتقتلها الأنانية، لتعكّر صفاء المجتمع النبيل، لكن سحابة المسك العتيقة ما يلبث ظلّها يلطّف الأجواء، لتحافظ على نصاعة الفكرة المبهرة في صفاء سريرتها.

من الموت ينتقل الفاخري إلى الظلّ، ومن الظلّ إلى المرآة، ليكشف عالما مليئا بالزيف والخداع، وليبني من خلال مدينة السرد الفاضــلة عالما خاصا يحلم به كلّ المبدعين.

ثيمة الموت تتكرر في المجموعة بأشكال مختلفة، حيث يوشك الحكي في كلّ قصة أن يخلق موتا، أو ينقد حياة على وشك الموت، أو يثير انتباهنا لموت على وشك الحياة، ولعلّ هذا يبدو مبرّرا في عالم تحكمه علاقات ذئبية شرسة، لا يتّسع فيها قلب القاتل لرحابة الحياة.

ثيمة الموت تتكرر في المجموعة بأشكال مختلفة، حيث يوشك الحكي في كل قصة أن يخلق موتا

في قصة “تذكّر”، ثمّة موت مختبئ على ناصية القصة، يفضحه السرد التالي:

“تذكر أنّ أصله شجرة، فأشفق على العصفورة التائهة../ انتفض متخلصا من خيوط تتحلزن على رأسه../ أنبت عمود النور أغصانا خضراء../ ودعا العصفورة لحضنه الرحيب../”.

وربما كانت هذه القصة تحتمل قراءة أخرى، غير أنّ جوّ الحزن العام يرجّح هذه القراءة، فالموت حاضر “رغما عن قلم السارد”، كما يشير الفاخري نفسه في قصة “البطل”، حيث يتناوب كلّ من القتل وإعادة الإحياء على مفعول به، بينما الفاعل/ المخرج المسرحي يشير إلى أننا أمام مسرحية نحيا فصولها جميعا.


تمرد السرد


إذا كان للموت كل هذا الحضور، رغم قلم السارد (ظلّ الفاخري نفسه)، فإنّ السرد يتمرّد على سارده، ليروي قصة الحياة: فالحلم في قصة “أدوار” ينتقل من مريض إلى آخر، في إشارة إلى الموت الذي ينتاب المتناوبين على السرير، فيما يظلّ الحلم حيّا، مشيرا إلى استمرار الحياة. وهنا ندعو القارئ للاستمتاع بهذه القصة التي تزرع الورد في بساتين الأمل، على الرغم من ظلال الموت السوداء:

“تأبّطَ حلما جميلا سيعانقه صباحا../ ونام../ …………../ ليلا كان الحلم نفسه../ ينمو في أعماق مريض آخر شغل السرير نفسه..!!/”.

فكرة الحياة التي تنتصر على الموت حاضرة أيضا بقوة في قصة “حسرات”، التي يعيش فصول حكايتها رجل مسنّ، عبر مروره بمحطات يلتقطها من الذين يعيشون ذكرياته في حياتهم، وحين يشعر بحتمية الموت يقول: “أيقنت بحتمية موتي.. فأجهشت روحي بالحياة”، وكأنّ مقولة الجسد الذي يشيخ والروح التي لا تبلى تعلن عن نفسها من خلال امتداد حياتنا في الآخر، عبر تناسخ سردي يقدمه الكاتب في حلة جميلة.

يرصد الفاخري من خلال "سحابة مسك" العلاقات الإنسانية المشدودة إلى بعضها بعضا بخيط السرد

الظل ثيمة أخرى حاضرة في المجموعة، وفي حضور الظلّ يعيد الفاخري التوازن إلى حياة شخصياته، أو يعيد الإنسان إلى براءة ظلّه، حيث الظلّ يرفض خنوع الإنسان لمنطق الحياة النفعي، ولعلاقات الناس الذين تفرض عليهم ظروفهم فراقا أو موتا، فيبقى الحلم حيا من خلال الاعتماد على هذه الثيمة الغنية المثيرة، ويمكن هنا أن نستحضر أكثر من مثال لندلل على ذلك التوق لإغناء الحياة الفقيرة، بظلال لقاءات تعيد البهحة للشخصية والسارد والقارئ في وقت واحد، في قصة “التصاق”، نقرأ ما يلي:

” افترقا../ ……….. / ظل ظلاهما ملتصقين/”.

في قصة “تمرّد” أيضا يتم تكريس الفكرة نفسها، وينجح الكاتب في إعطاء الظل فرصة لا تتاح لصاحبه؛ إذ يتعانق الظلّان، وربما لا يتركان لصاحبيهما سوى الحسرة:

“يلتقيان../ يعرض هذا.. وتعرض هذه../ فيما يبدأ ظلاهما بالعناق../”.

وقد يتلبّس الظلّ في هذه المجموعة وظيفة أخرى، لا تبتعد كثيرا عن الوظيفة السابقة، ولكنها تبتعد بالضرورة عن صاحب الظل ذاته، وتخالفه في حركاته دون أن تتخلى عن إثارتها، لذلك يجتهد السارد في البحث عن ظلّه في قصة “ظلال”، وفي هروبه منه في قصتي “وحشة” و”مطاردة”، ولكنّه في النهاية يطمئن، إلى أن الظل قدر الإنسان، واختفاء الظل دليل شؤم ووحشة وإظلام:

“يمتدّ ظلّ الشجرة أخضر../ وظلّ الغيمة أسود../ ظلالُ العصافير أجنحةُ فراشات../ ظلالُ الفراشات قوسُ قزح../ قوس قزح وجهُ ربيع../ أبحث عن ظلي بينها فيلتهمني الظلام القميء../”.


هشاشة الإنسان


أمّا المرآة التي تشبه الظلّ نظريا في كشف أحلام صاحبه، فإنها تجسّد في مجموعة جمعة الفاخري انعكاسا للشرخ القائم في الذات، وتأكيدا على بعض سقطاتها التي تهشم دواخل الإنسان.

أمام المرآة تبرز هشاشة الإنسان. يرى نفسه على حقيقتها، مليئة بالغش والزيف، كما نجد في قصة “انهيار” التي تكشف مدى توغّل الإنسان الأصل في اللصوصية وقسوة المرآة في إصدار حكمها عليه:

“أمام المرآة يحكم ربطة عنقه../ تتحول الى أنشوطة../ تجحظ عيناه../ يسمع صوتا يعلو: “محكمة”.. /يستدير مذعورا../ من خلفه يعلو صوت تهشم المرآة..؟/”.

والمرآة في قصة “استدارة” تقع ضحية إنكار صاحبتها لفكرة الشيخوخة، حيث تزورّ عنها، ولا تعيرها التفاتا، على الرغم من أنّها تقول الحقيقة الكاملة:“..والمرايا تشيخ أيضا..؟/ أسرّتها في نفسها../ وهي تستدير منكرة صورتها على سطحها الشاحب..؟/”.

حين تتهشم المرآة في قصة “انهيار” تموت الحقيقة، ومع هذا الموت يستمرّ الإنكار، في مرآة “استدارة”، ولكنْ ثمة أملٌ في أنّ المرايا أكثر من أن تحطّم أو تهشّم، وهناك أملٌ أيضا، في أنّ كل تهشيم للمرآة يخلق مرايا صغيرة جديدة، مهما حاول الناس إخفاءها، ومهما حاولوا إدارة ظهورهم لها.

الظل يرفض خنوع الإنسان لمنطق الحياة النفعي، ولعلاقات الناس الذين تفرض عليهم ظروفهم فراقا أو موتا

لقد ارتضى الكاتب في “سحابة مسك” لسرده هوية القصة القصيرة جدا التي قدّمها من خلال لغة مكثّفة موحية، تنقل الفكرة البليغة عبر أقلّ عدد من الكلمات، وإن كانت الرؤية تبدو، في قصص قليلة، غامضة لأحد سببين: غموض الرسالة، أو عدم قدرة المتلقي على التقاطها.

غير أن ذلك الغموض لا يمنعنا من أن نؤكد أنّ سحابة مسك عصارة معتقة للعلاقات الإنسانية المبنية على الصدق والصفاء، برغم ما ينتاب الواقع من صدإ الزيف والنكران والجحود. وكأن القاص جمعة الفاخري يريد أن يثبّت الأمل في النفوس من خلال لعبه اللغوي على ثنائيات متعدّدة، كالحياة والموت والنور والظلام، والفراغ والامتلاء؛ لينتصر في كل مرة لما هو إيجابي وإنساني نبيل.

15