الواقع الاقتصادي في تونس يكشف هشاشة خطة الإنقاذ

خارطة إصلاح تشوبها التناقضات بين ترشيد الإنفاق وتوفير الدعم للقطاعات المتعثرة.
الأربعاء 2020/09/09
تدهور القدرة الشرائية

تترقب الأوساط الاقتصادية في تونس على مضض بدء الحكومة الجديدة في إنعاش الاقتصاد، خصوصا مع تقلص هامش زمن الإصلاح بالنظر إلى عمق الضغوط والتحدّيات، لكن وعود الحكومة تصطدم بجبل من الشكوك نظرا لغياب المقومات الواقعية في ظل وضع معقد سياسيا واجتماعيا.

تونس - لم تبدّد خطة الإنقاذ الحكومية التي أعلنها رئيس الحكومة الجديد في تونس هشام المشيشي مخاوف التونسيين بقدر ما فاقمت الشكوك حول المقومات الواقعية لهذه الخطة في ظل وضع اقتصادي على محك الاضطرابات السياسية والاجتماعية.

وحدد هشام المشيشي خمس أولويات في برنامج عمل حكومته لإنقاذ الاقتصاد الوطني خلال كلمة في جلسة عامة أمام البرلمان التونسي توجها حصول حكومته على الثقة يوم 1 سبتمبر الجاري.

وقال رئيس الحكومة التونسية إن “حكومته ستعمل على إيقاف نزيف المالية العمومية عبر استعادة الإنتاج، خاصة في قطاعات حيوية مثل الطاقة والفوسفات، وهي قطاعات تواجه احتجاجات اجتماعية متواترة وتعطيلا للإنتاج منذ سنوات”.

وخلّف إعلان رئيس الحكومة عن خطته جدلا واسعا داخل الأوساط الاقتصادية والشعبية. وقال خبراء ومحللون لـ”العرب” إن خارطة الإصلاح الاقتصادي تضمنت العديد من التناقضات في ما يتعلق ببند وقف انفلات المالية العمومية وسبل توفير السيولة لدعم القطاعات المتعثرة، ما يجعلها خطة هشة وغير خاضعة لمعايير واقعية.

ومن ضمن أولوياته، ينوي المشيشي بدء حوار مع المانحين الدوليين ضمن خططه لتعبئة الموارد المالية لدعم موازنة الدولة، إلى جانب مراجعة الإنفاق العام للدولة، ودعم المؤسسات المتضررة من جائحة كورونا، وإصلاح الإدارة وتعزيز نظام العمل عن بعد.

فهد تريمش: الخطة لم تخرج عن مسار التعويل على الشركاء التقليديين
فهد تريمش: الخطة لم تخرج عن مسار التعويل على الشركاء التقليديين

وأوضح رئيس الحكومة أن حكومته ستعمل على حماية القدرة الشرائية للمواطنين وإعادة توجيه الدعم لمستحقيه وضرب الاحتكار، وحماية الفئات الهشة حتى انتهاء جائحة كورونا ومقاومة الفقر.

وقال المشيشي، في كلمته أمام نواب البرلمان، إن “الأرقام والمؤشرات لا تبعث على الاطمئنان، وبينها حجم الاقتراض السنوي البالغ حوالي 15 مليار دينار (5.5 مليار دولار) وبلوغ مجمل الدين 80 مليار دينار بنهاية السنة الجارية”.

وأوضح أنه “من المتوقع أن تبلغ خدمة الدين العمومي في 2021 أكثر من 14 مليار دينار، وهو ضعف النفقات المخصصة للتنمية ما يعني تخلي الدولة عن دورها الأساسي في هذا المجال”.

كما لفت إلى تراجع نسب الاستهلاك والادخار وتقلص نسب الاستثمار وزيادة عدد العاطلين في صفوف حاملي الشهادات العليا.

وتعليقا على هذه الخطة الاقتصادية قال الخبير الاقتصادي فهد تريمش في تصريح خاص لـ”العرب”، إن “أولويات العمل التي قدمها رئيس الحكومة منقوصة حيث لم تتضمن أهدافا واضحة ومرقمة وإنما جاءت كتواصل للوعود التي أطلقتها الحكومات المتعاقبة”.

وأشار إلى أن “الحديث عن نزيف المالية العمومية وضرورة وقفه يستدعي بالضرورة سياسة تقشفية لإعادة التوازن، تمّت الإشارة إليها بالتلميح فقط عند الحديث عن ترشيد الإنفاق العمومي.”

واعتبر تريمش أن “الأولويات المطروحة تضمنت عدة نقاط مكلفة للميزانية مثل دعم المؤسسات المتضررة من كورونا وضخ الأموال في المؤسسات العمومية العاجزة، وتحسين البنية التحية، فضلا عن الاستثمارات التي تتطلبها رقمنة الإدارة دون أن يقابل ذلك طرح حلول عملية تكفي لتحمّل هذه المصاريف الضرورية والطارئة”.

وأضاف لـ”العرب” أن “الحلول بدت تقليدية بالتعويل على الشركاء الاقتصاديين الخارجيين لتونس والمؤسسات المالية الدولية، وذلك رغم التأكيد على ثقل حجم المديونية وخدمة الدين العمومي”.

وتساءل الخبير “هل بإمكان تونس في ظل الوضع المتردي الحالي الحصول على تمويلات خارجية بشروط ميسّرة تمكنها من مجابهة تداعيات أزمتها الاقتصادية دون إثقال الميزانية بأعباء إضافية أخرى لم تعد تتحملها. وفي المجال الاجتماعي”.

ولفت إلى أن “الإشارة إلى تراجع مؤشرات الاستهلاك والادخار، ومن ثم تم التأكيد على ضرورة مراجعة منظومة الدعم وترشيده، لم يتطرق إلى ما يعنيه ذلك من تراجع في مستوى الدخل المتاح لدى الطبقة الوسطى التي تمثل أغلبية المستهلكين”.

تساؤلات حول مدى قدرة تونس على الحصول على تمويلات خارجية بشروط ميسرة دون إثقال الميزانية بأعباء إضافية

كما انتقد الخبير “غياب الحديث عن إجراءات للحد من البطالة التي تفاقمت أكثر منذ مارس 2020، وسبل الإحاطة بالعاطلين عن العمل ودعمهم وإعادة تأهيلهم”.

واستبشر الخبير جمع حقيبتي المالية والتنمية والاستثمار على اعتباره مؤشرا إيجابيا لرؤية استراتيجية تقوم على دعم السياسة المالية بدفع الاستثمار الداخلي والخارجي، لخلق مواطن شغل وإعادة التوازن لميزان الدفوعات الخارجية وبذلك تحسين وضعية تونس في السوق المالية الدولية.

وبخصوص تعطل إنتاج الطاقة والفوسفات، قال فهد تريمش إن “الموضوع لم يعد يحتمل الانتظار، وإن التعاطي معه منذ الأيام الأولى من عمر الحكومة سيعطي التوجه الفعلي حول ما إذا ستكون فعلا حكومة الإنجاز كما يجب وتريد أن تكون”.

وبلغ عجز ميزان الطاقة لتونس نحو 1.71 مليون طن مكافئ نفط خلال موفى مايو 2020 مقابل عجز بنحو 2.09 مليون طن مكافئ نفط خلال نفس الفترة من 2019، أي بتحسن بنسبة 18 في المئة، حسب نشرية لوضع الطاقة أصدرتها الوزارة في 7 يوليو 2020.

وتجمع آراء الخبراء والمتابعين للشأن التونسي على أن عدم الاستقرار السياسي وتداعيات الإغلاق بسبب كورونا يقللان من فرص إنعاش الاقتصاد التونسي ويفاقمان من التحديات، في وقت تظهر المؤشرات حالة من عدم اليقين تسببت في تراجع الاستثمارات المحلية والأجنبية ما يراكم جبل الخسائر.

11