الواقع المرير والمستقبل الغامض يفاقمان الانتحار في العراق

الأشهر الأولى من العام الحالي شهدت نحو مئتي حالة انتحار، بعضها نقل مباشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما أثار قلق المؤسسات الحكومية في العراق.
الخميس 2019/07/25
الحب صمام أمان ضد اليأس

تشهد ظاهرة الانتحار في العراق تزايدا مخيفا، مع تضافر عوامل عديدة من بينها الوضع الاقتصادي وضعف الروابط الأسرية والاجتماعية وغياب الحب، ما يرفع الوعي بحجم المشكلة ويدفع السلطات والمجتمع المدني للبحث عن حلول تنهي حالة اليأس التي يشعر بها المواطنون وتدفعهم للتفكير في إنهاء حياتهم.

بغداد- لم تتجرأ ندى من قبل على الحديث عن محاولاتها الانتحار، ويوافق أحمد الذي حاول الانتحار كذلك على التطرق إلى الموضوع ولكن عبر الهاتف، ما يعكس استمرار الإحراج الذي يشعر به المجتمع إزاء ظاهرة تتزايد فيما تتلاشى المحرمات حولها.

شهدت الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي نحو مئتي حالة انتحار، بعضها نقل مباشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما أثار قلق المؤسسات الحكومية والدينية والإعلامية في العراق الذي يقدر عدد سكانه بأربعين مليون نسمة غالبيتهم من المسلمين فيما يفتقر البلد بقوة إلى علاجات نفسية للذين يحاولون وضع حد لحياتهم.

ويؤكد مصدر أمني أنه في منتصف يوليو الحالي، وقعت ثلاث حالات انتحار في بغداد خلال 24 ساعة فقط، كان ضحيتها رجلان وامرأة. وتقول ندى (22 عاما)، وهو اسم مستعار، إنه “لم يكن هناك ضوء” في أفق حياتها، ما دفعها للقيام بالعشرات من محاولات الانتحار، وإنها بدأت محاولاتها مذ سن الثانية عشرة.

واغرورقت عيناها بالدموع وهي تستذكر بحسرة تلك المحاولات، إما بتناول سم فئران أو قطع شرايينها أو شنقا، وذلك عندما منعها أهلها من مواصلة الدراسة، ثم تعرضها لـ”اعتداءات جنسية” على أيدي أشقائها وتعنيف من زوجها الحالي.

أما أحمد (22 عاما) فحاول الانتحار مرتين بتناول مواد سامة، لرفض أهله زواجه من فتاة أحلامه. ويقول أحمد الذي يسكن قرب مدينة الناصرية في جنوب البلاد، في اتصال هاتفي “لم يكن أمامي خيار آخر غير الانتحار، لأن أهلي رفضوا زواجي. حتى زوجتي، يريدون هم أن يختاروها لي”.

ولا تقتصر أسباب الانتحار على مشكلات الحب والزواج. فهناك أمراض نفسية وصعوبات اقتصادية خلفتها حروب متلاحقة على مدى العقود الأربعة الماضية، إضافة إلى البطالة التي يعاني منها نحو 20 بالمئة من العراقيين- غالبيتهم من الشباب- وظروف النساء وأعباء التقاليد.

وبحسب لجنة حقوق الإنسان البرلمانية في العراق، ارتفع عدد حالات الانتحار من 383 خلال العام 2016 إلى 519 في 2018. وشهدت الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي 199 حالة انتحار.

ارتفع عدد حالات الانتحار من 383 خلال العام 2016 إلى 519 في 2018
ارتفع عدد حالات الانتحار من 383 خلال العام 2016 إلى 519 في 2018

وهذه الأعداد هي الحالات المسجلة فقط، إذ توجد حالات كثيرة تقع في عموم العراق، من الجنوب ذي الغالبية الشيعية والمجتمع العشائري إلى الشمال الكردي والغرب السني، من دون أن تبلغ العائلات عن انتحار أحد أفرادها لكون ذلك يمثل وصمة عار للعائلة ومخالفة لتعاليم الإسلام. لكن ظاهرة الانتحار باتت في تزايد وصارت واضحة ومتكررة بشكل شبه يومي، في بلد يستعيد تدريجيا استقراره الأمني.

وتقول معالجة نفسية في بغداد، طالبة عدم كشف هويتها، “كان الخلاص من الإرهاب أكثر ما يشغلنا على مدى سنوات”، مضيفة “الآن بدأ الناس التعامل مع مشكلات اجتماعية مثل الانتحار والمخدرات”. وزاد الوعي بالمشكلة بعد انتشار لقطات لشباب انتحروا شنقا أو بالرصاص أو بإلقاء أنفسهم من جسر، مباشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتقول أمل كَباشي منسقة “شبكة النساء العراقيات”، وهي منظمة إنسانية تعنى بشؤون المرأة، إن البعض “لجأ إلى شبكة التواصل الاجتماعي للفت الانتباه وجعل الناس يتفاعلون معه”.

وفي المقابل، أثارت مشاهد الانتحار المباشرة والمتكررة صدمة دفعت شخصيات رسمية ودينية للتحرك وهو ما تراه كبّاشي “إيجابيا”. فقد اعتبر المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني أن الدافع للانتحار هو “اليأس من المستقبل وعدم القدرة على مواجهة المشكلات”، داعيا الجهات المسؤولة إلى “العمل على معالجة المشكلات وتجاوزها”.

وترى الأخصائية النفسية أن “هناك حديثا عن الانتحار بشكل أكبر لكن ليس بالأسلوب الجيد دائما”، مضيفة أن “بعض رجال الدين يعتبرون الانتحار ضعفا في الإيمان، وهذا لا يساعد الضحايا ولا عائلاتهم” لمعالجة مشكلاتهم. وتشدد على ضرورة تنظيم “حملات لمواجهة ذلك ووضع أرقام خط أخضر لمشكلة الانتحار وبرامج تلفزيونية تطرح حلولا”، ودعم الناس في العراق الذي لا يوجد فيه سوى ثلاثة أطباء نفسيين لكل مليون نسمة.

العائلات لا تبلغ عن انتحار أحد أفرادها بسبب الإحراج لكون ذلك يمثل وصمة عار لكل العائلة ومخالفة لتعاليم الإسلام

وتلفت كباشي إلى أن “الانتحار يكثر بين المراهقين والشباب، لأنهم الفئة الأكثر بؤسا، من حيث فرص العمل والتعليم والاهتمام”. وتضيف “لا تتوفر حتى الآن آليات حكومية حقيقية لمعالجة واقع هذه الفئة”.

ويقول الباحث الاجتماعي عبدالمنعم الشويلي إن “العامل الأبرز وراء الانتحار هو الاقتصاد، بالإضافة إلى ضعف الروابط الاجتماعية وغياب الحب، ما يؤدي إلى حالة يأس من المستقبل”. وقبل فترة، دفع تزايد الانتحار بالسلطات في بغداد إلى التفكير بتثبيت حواجز بارتفاع مترين على الجسور للحد من ذلك، لكنها بقيت مجرد فكرة.

وتبذل القوات الأمنية جهودا متواصلة لإنقاذ من يحاولون الانتحار. ويقول الضابط محمد الربيعي، القائد السابق للشرطة النهرية في بغداد، إنه بين يناير وأبريل تم إنقاذ 36 شخصا ألقوا أنفسهم في أنهر.

لكن أحيانا يكون الأوان قد فات، بحسب الربيعي الذي يستذكر إحدى حالات الانتحار المؤلمة التي قامت بها “سيدة فألقت أحد أطفالها وعمره أقل من خمس سنوات، من جسر على نهر دجلة ثم رمت نفسها وهي تحمل طفلها الآخر”. ويتابع “لحسن الحظ تمكنت الشرطة النهرية من إنقاذها مع أحد أطفالها لكن الطفل الآخر توفي غرقا”.

21