الواقع المعزز: عالمنا الحقيقي مع لمسة جنون

لماذا الهروب إلى عالم آخر؟ كما كان يقترح الواقع الافتراضي، إذا كان بإمكاننا أن نحسِّن عالمنا هنا بصورة أكثر جاذبية باستخدام الواقع المعزز. ورغم أن تكنولوجيا الواقع المعزز مختلفة جدا عن تكنولوجيا الواقع الافتراضي، فإن كلا التقنيتين تعملان على تغيير واقعنا.
السبت 2016/10/15
أكثر من مجرد اصطياد الوحوش

واشنطن - السَبت 23 يوليو 2016، تَسببت لعبة بوكيمون غو في مُقاطعة بيان لوزارة الخارجية الأميركية، حيثُ كان المتحدث باسم الخارجية جون كيربي يقرأ بيانا لسياسة بلاده في محاربة تنظيم داعش حين تفاجأ بأحد المراسلين في القاعة يلعب اللُعبة.

قطع كيربي بيانه مُتوجها بالسؤال للصحافي “أنت تلعب البوكيمون هناك، أليس كذلك؟”، فرد عليه المراسل “أنا ألقي مجرد نظرة عليه”، ليعود كيربي إلى إكمال البيان، وبعد انتهائه أعاد توجيه سؤاله إلى المراسل قائلا “هل أمسكت بواحد من البوكيمونات؟”، فرد المراسل “كلا.. الإرسال لم يكن جيدا”.

تندرج لعبة بوكيمون غو التي شغلت العالم في الصائفة الماضية، ضمن ما يسمى الواقع المعزز الذي يجمع بين الصور الرقمية والعالم الحقيقي.

تيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة آبل، من بين الذين يعتقدون أن الواقع المُعزز يُمكن أن يُستخدم لأكثر من مجرد اصطياد الوحوش. وخلال مؤتمر التكنولوجيا الذي أقيم في ولاية يوتا الأميركية الأسبوع الماضي، أشاد كوك مجددا بتكنولوجيا الواقع المعزز مشيرا إلى أن هذه التكنولوجيا سوف تصبح في نهاية المطاف جزءا أساسيا من حياتنا.

وقال إن “الواقع الافتراضي، كما أعتقد، لن يكون بذلك الحجم الكبير مقارنة بالواقع المُعزز”. وتابع “أنا أعتقد أن جزءا كبيرا من سكان البلدان المُتقدّمة، وفي نهاية المطاف جميع البلدان، ستشاهد تجارب الواقع المُعزز كل يوم. سيكون تقريبا مثل تناول ثلاث وجبات يوميا”.

لا شك في أن تقنيات الواقع الافتراضي (Virtual Reality) والواقع المعزز (Augmented Reality) هي أحدث الصيحات التكنولوجية التي تشغل بال الرأي العام، لا سيما وأننا حصلنا هذا العام على نظارات أوكولوس ريفت Oculus Rift وإتش تي سي فايف HTC Vive، إضافة إلى نظارة بلايستيشن في أر Playstation VR من شركة سوني.

ولكن هذا لا يعني أن شركة آبل على وشك تجاهل تقنيات “الواقع الافتراضي” إذ أشار كوك خلال المقابلة إلى أن الواقع الافتراضي هو مجال خصب أيضا في ما يتعلق بالتعليم والألعاب، ولكن هذا ربما يكشف أن شركة آبل ترى أن تكنولوجيا الواقع المعزز ستكون تكنولوجيا أكثر فائدة من الأخرى على المدى الطويل. ويضيف كوك أن هناك تحديات يجب التغلب عليها قبل أن تصبح هذه التكنولوجيا أكثر انتشارا. إذ أن “تكنولوجيا الواقع المعزز ستستغرق بعض الوقت، لأن هناك البعض من التحديات التقنية الصعبة. ولكن ذلك سيحدث، سنتساءل عندما نفعل ذلك، كيف كنا نعيش من دون هذه التكنولوجيا. كما نتساءل الآن كيف كنا نعيش من دون الهواتف المحمولة”، وفق تصريحات كوك.

تيم كوك: تجارب الواقع المعزز ستكون تقريبا مثل تناول ثلاث وجبات في اليوم

ورغم أن فيسبوك وغوغل وسوني وسامسونغ تُركّز على الواقع الافتراضي، يرى بعضهم في وادي السيليكون أن هذه التكنولوجيا قد يحل محلها قريبا الواقع المُعزز. ويعتبر جهاز “هولولينز”، من مايكروسوفت، الذي يكلف ثلاثة آلاف دولار، جهاز الواقع المُعزز الأكثر شُهرة قيد الإعداد. لكن يتم تطوير عدد من الأجهزة الأخرى، حتى وإن لم نعرف عن جميعها بعد. ومن الأجهزة المعروفة “ماجيك ليب”، الممول من غوغل.

ووظّفت أمازون مئتي شخص لديهم خبرة في الواقع المُعزز.

مع ذلك، قال كلاي بافور، رئيس الواقع الافتراضي في غوغل إن السؤال حول ما إذا كان الواقع المُعزز سوف يحل محل الواقع الافتراضي هو “سؤال خاطئ”.

وأضاف “إذا كنت تعرف الطريقة التي تعمل بها التكنولوجيا، فلا يُمكنك الحديث عن الواقع الافتراضي وعدم التفكير على الأقل بشأن الواقع المُعزز والعكس بالعكس”. وتابع “لديهما الكثير من القواسم المشتركة: جهاز عرض يُلبس، وتعقب، وواجهات حجمية (…) الواقع الافتراضي يُمكن أن يضعك في أي مكان، والواقع المُعزز يُمكن أن يجلب إليك أي شيء”. ويقول بافور “إن أي استثمار في الواقع الافتراضي هو إلى حد ما استثمار في الواقع المُعزز. كلاهما سيكون مهيمنا”.

يذكر أن الواقع الافتراضي متاح اليوم، إلا أن تطوير الواقع المُعزز سوف يستغرق بضعة أعوام أخرى.

وخلال بث إذاعي، قال الرئيس التنفيذي لشركة نيانيتك” Niantic جون هانك إن تكنولوجيا الواقع المعزز توفر إمكانيات أكثر على المدى الطويل لأنها ببساطة لا تغلق الناس عن العالم الخارجي، وإنما تشجعهم بدلا من ذلك على الخروج والتفاعل مع العالم.

في الواقع هذا هو الشيء الذي حققته لعبة بوكيمون غو في البداية بحيث أفاد العديد من عشاق هذه اللعبة أنهم بدأوا يخرجون الآن أكثر من السابق. ويضيف هانك “هذا هو الاتجاه الذي أعتقد بأنه الأكثر إثارة وهو واعد بشكل أكبر للتكنولوجيا والواقع وللبشرية. تم تصميم تكنولوجيا الواقع المعزز لإضافة وتحسين الأشياء التي تقوم بها كإنسان: الجري في الخارج، التنشئة الاجتماعية مع الآخرين، والتسوق واللعب واللهو. تكنولوجيا الواقع المعزز يمكن أن تجعل كل الأشياء تصبح أفضل”.

من جانبها تقول الكاتبة الأسبانية نويمي فيرو إن الواقع المُعزَّز يحتوي على عناصر عصرنا الراهن؛ حيث يتم اختراع عوالم أخرى لنعيش فيها لعدد من الساعات.

تضعنا فيرو أمام تساؤل جمْعي: لماذا الهروب إلى عالم آخر، كما كان يقترح الواقع الافتراضي، إذا كان بإمكاننا أن نحسِّن عالمنا هنا بصورة أكثر جاذبية؟ بعضهم يطلق على الواقع المعزز تسمية “الجنون الجديد”، مؤكدين أن مبتكري لعبة بوكيمون غو مثلا ليس لديهم أي احترام لأي مكان، هذه الحيوانات الافتراضية اللعينة، مخفية في كل زمان وفي كل مكان، في أماكن العبادة وفي مهاجعنا وحتى في مقابرنا (..).

لا يعلم هؤلاء أن أحد مصممي التطبيقات اليابانيين استفاد من تكنولوجيا الواقع المعزز، لإنتاج تطبيق للهواتف يمكن المستخدم من رؤية الموتى بجوار مقابرهم وفي الأماكن التي اعتاد رؤيتهم فيها بل والتحدث معهم أيضا. واستخدم التطبيق الياباني تقنية الواقع المعزز التي تسمح بإضافة أجسام افتراضية للبيئة الواقعية ودمجهما معا في سياق واحد يظهر على شاشات الهواتف الذكية مثلما يحدث لدى لعبة بوكيمون غو حيث يبحث اللاعبون عن مخلوقات البوكيمون في الشوارع والمواصلات والأماكن العامة، لكن الفارق في هذا التطبيق هو أن المستخدم نفسه هو من يحدد الأماكن التي يريد فيها رؤية أقربائه المتوفين فيمكنه اختيار رؤيتهم فوق مقابرهم أو في الأماكن التي ترددوا عليها وأقاموا فيها أثناء حياتهم.

ويمكن للمجسمات الافتراضية للموتى أن تتبادل الحديث مع المستخدم من خلال عبارات نصية يمكن أن يقرأها ويرد عليها المستخدم وأن يتحدث إليهم بما يشاء من عبارات دافئة.

ويرى البعض أن هذا التطبيق سيحيل المناطق التي أقيمت عليها المقابر إلى أماكن مزدحمة بالموتى الأحياء في الحياة الافتراضية.

ووجه آخرون الانتقادات إلى مصممي التطبيق إذ يرون أن الذكريات التي يحملها الإنسان عمن رحلوا لا يمكن الاستهانة بها بتحويلها إلى بيانات وصور رقمية على تطبيق للهواتف الذكية.

18