الواقع كما لم يحدث

الخميس 2017/10/19

نقرأ نصاً ونعيش واقعاً في ثنائية تتشابه ولا تتشابه، حينما يرتحل الواقع إلى النص فيصبح الواقع مرتهناً للنص ولا يتخطاه بل تحكمه قوانين النص الفنية، في حين أن الواقع كما -بطبيعته- لا يجري متماثلاً مع النص سوى شذرات منه تتجوهر حول النص لغةً وتصويراً وفناً جمالياً، ليكون النص مجسِّماً للواقع وليس هو الواقع كما حدث.

وفي مثل هذا التجاذب بين النص والواقع نسأل:

من هو الأجمل: الواقع أم النص؟ وهل في الواقع جماليات تفترق عن جماليات النص؟

ثمة أسئلة أخرى ممكنة جداً: ما هو المُزاح من الواقع إلى النص؟ ومَن يتبع مَن: النص أم الواقع؟

في أسئلة كهذه تولد أسئلة أخرى:

هل يتفوّق النص على الواقع جمالياً؟ أم يحدث العكس؟ أم أنّ هناك مهارة فنية تُعاشِق بينهما؟

الفرضيات النقدية كثيرة والذائقة القرائية تتحكم في هذا المنحى وهي القادرة أحيانا على فرز الواقع كما هي قادرة على فرز شفرات النص. أي قادرة على فرز واقعين معاً من خلية واحدة هي خلية النص المكتوب الذي استثمر واقعة معينة؛ فتحولت إلى واقعة نصية غير مشروطة بأصلها “الواقعي” وهذا من ذائقة النقد الجمالية ومحاولة تمكين القارئ من العثور على الأصل وصداه الفني في ممارسة تقريبية حرة.

لكن تميل إلى الجمال الفني الذي يكتنزه النص بعيداً عن حيثيات واقعية يعرفها القارئ، وهكذا فإنّ النص يكتنز أسراره بعيداً عن سلطة الواقع وتأثيراته المكرّرة المعروفة التي وقعت في تدخل تزويقي يحيلها إلى خيال، فالوقع هو الواقع كما حدث، لكن النص هو الواقع كما لم يحدث تقريباً.

هذه مفارقة نقدية من طراز جيد وقبل أن تجيب على الأسئلة الكثيرة المشار إليها، نتوخّى أسئلة غيرها لنكون على بيّنة أخرى من بيّنات النص الذي يستهويه الواقع مُزاحاً بدرجة معينة تنفرج أو تضيق:

كيف يتسامح الواقع مع النص؟ وكيف يستقلّ النص عن الواقع؟ وما هي ضمانات أنْ ننتج نصاً يستلهم الواقع لكنه يكثّفه إلى درجة الخيال فيبتعد عنه بهذا المقدار أو ذاك؟

قد يقول النقد إنه ليس هناك واقع مقدس مثلما لا يوجد نص مقدس، فإذا كانت معاني الواقع مفتوحة ولا تحتاج إلى تأويل بوصفها معانيَ حيّة معروضة على الجميع، فربما يكون النص مثقلاً بمقدار معين من التأويل والغموض والانزياحات، وهذا يبرر إلى حدّ جيد افتراقه عن المعاني الحيّة التي يُنتجها الواقع ولا يستطيع تغييرها.

أي لا يمكن أن نوجِد معانيَ مغلقة في الواقع مهما تعقدت شذراته، لكن النص يُوجِد مثل هذه المعاني بالاجتهاد الفني ليُغذّي الخيال ويمنح الواقع قدرة على أن يكون واقعاً أسطورياً مثلا أو ترتبط به درجات الخيال إلى مُديات معينة، ترفعه من حالة مسكونة بالتبعية إلى أيّ حدث فني يرتقي به ويضفي عليه جماليات إضافية مطلوبة لتبديد سطوة المعرّف به إلى سطوة الخلق الجديد.

لهذا فالنصوص المبتكرة عادة تغذّي الواقع وتضخ فيه دورة دموية وصفية في اللغة والصورة والمعرفة واستقدام الخيال قادرة على البقاء طويلاً كما حدث في واقعيات ماركيز العجائبية ومعظم ساردي أميركا اللاتينية الذين سحبوا الواقع وخلعوا عنه ثوبه وألبسوه أثواباً متداخلة من الخيال والأسطورة والتاريخ المحلّي ليكون واقعاً قادراً على النمو جمالياً في أقل تقدير.. وهذه صفة الإبداع التي يراها النقد قادرة على المكوث في صفحات التاريخ الإبداعي..

ولكي نكف عن الأسئلة من نوع: ما هو الواقع وما هو النص؟ أو كيف ننتج النص؟

الواقع أب.. النص ابن.

كاتب عراقي

14