الوباء يدفع العراقيين المنهكين من الصراعات إلى حافة الفقر المدقع

الإجراءات الوقائية المترتبة عن فايروس كوفيد – 19 تعمّق معاناة العراقيين بعد أزمات سياسية واقتصادية متتالية.
الخميس 2020/05/07
نسبة الفقر قد ترتفع إلى 30 في المئة

بغداد – لا يعد مشهد حظر التجول أو فرض حالة الطوارئ شيئا غريبا في العراق الذي مرّ في العقود الأخيرة بحروب كثيرة بدءا بحربي الخليج الأولى والثانية مرورا بالغزو الأميركي عام 2003 وإسقاط نظام صدام حسين وصولا إلى الإجراءات المتخذة من قبل حكومة تصريف الأعمال التي يقودها عادل عبدالمهدي.

إذ تتراكم الأزمات السياسية والاقتصادية التي عمقت معاناة العراقيين، فالبلد يعيش على وقع صراع وجود بعد معاناة اقتصاده من هبوط أسعار النفط الذي يمثل تقريبا مصدر إيراداته الوحيد كما يعاني من أزمة سياسية خانقة وغياب حكومة مستقرة بالرغم من تكليف مصطفى الكاظمي بتشكيلها.

وبالإضافة إلى هذه الأزمات، أدت الإجراءات الوقائية المترتبة عن فايروس كوفيد – 19 إلى المزيد من تأزيم وضع المواطنين، فحتى إعلان حكومة عادل عبدالمهدي عن رفع حظر التجول وتعويض ذلك بغرامات مالية لمن يخالف الحجر الصحي، فإن مؤشرات كثيرة تؤكّد تواصل الصعوبات الاقتصادية.

ويقول بعض العراقيين في حي الأعظمية ببغداد إن إغلاق أبواب المتاجر والبيوت عندما تحين ساعة حظر التجول يوقظ ذكريات صدمات سابقة حصدت الأرواح وضيّعت الأرزاق ما بين فرق الاغتيالات الطائفية والغزو الأجنبي والخراب الذي جلبته العقوبات الدولية.

والآن أصبحت جائحة كوفيد – 19 مصدر معاناة العراقيين الحالية. وفي مقابلات مع رويترز روى ستة أشخاص من سكان حي الأعظمية كيف دفعت الجائحة بأسرهم إلى أسوأ حالات العوز التي تعيها ذاكرتهم.

إغلاق المتاجر عندما تحين ساعة حظر التجول بسبب كورونا يوقظ ذكريات صدمات سابقة حصدت الأرواح وضيّعت الأرزاق

وقال عبدالوهاب قاسم، وهو عامل يبلغ من العمر 46 عاما، “على مدى عامين سكنت مع صديق لتوفير الإيجار وأرسلت كل ما أحصل عليه، ربما 350 دولارا في الشهر، لزوجتي المريضة وأطفالي في تركيا… ومنذ الإغلاق بسبب كورونا لا يوجد عمل. وليس بوسعي أن أقدم شيئا لأسرتي”.

وأضاف قاسم إن ما يحصل عليه من دخل متواضع هو وعدد متزايد من جيرانه الذين يؤدون أعمالا يدوية من حين لآخر أو يديرون متاجر صغيرة قد تبخر. وأصبحوا يعيشون على وجبات الإفطار التي تعدها أسرة في المسجد المحلي خلال شهر رمضان وكثيرون منهم يقبلون مثل هذه المساعدة الخيرية للمرة الأولى. وذكر “كثيرون فقدوا أعمالهم في أقل من شهرين من حظر التجول”.

ويتفادى العراق حتى الآن تفشي فايروس كورونا المستجد على نحو كارثي إذ لم يسجل سوى نحو 2200 إصابة وأقل من 100 حالة وفاة وفقا لبيانات وزارة الصحة.

لكن الإجراءات اللازمة، ومنها حظر التجول في مختلف أنحاء البلاد الساري منذ منتصف مارس مثلما هو الحال في دول كثيرة، أدت إلى توقف المتاجر عن العمل وفرضت على من يعيلون أسرهم البقاء دون عمل في البيوت الأمر الذي أضر بشدة بالفئات الضعيفة من السكان.

وقال عبدالزهرة الهنداوي المتحدث باسم وزارة التخطيط العراقية إن 20 في المئة من السكان يعيشون حاليا في فقر وإنه من المتوقع أن ترتفع النسبة إلى ما يقرب من 30 في المئة هذا العام بسبب تعطل الناس عن العمل بفعل الأزمة.

نسبة الفقر في ازدياد
مشاهد مألوفة

وفي الشهر الماضي أعلنت الحكومة توزيع إعانة شهرية قدرها 25 دولارا للأسر التي لا تحصل على أجور من الدولة. وقال الهنداوي إن 13 مليون شخص أي حوالي ثلث العراقيين تقدموا بطلبات للحصول على هذه الإعانة.

ويعاني الاقتصاد العراقي الآن من هبوط أسعار النفط الذي يمثل تقريبا مصدر إيرادات البلاد كلها الأمر الذي أرغم الحكومة على التفكير في خفض مرتبات العاملين في القطاع العام الضخم. وقد تجاوزت نسبة هبوط سعر النفط 55 في المئة منذ بداية العام.

ويواجه العراق المأزق ذاته الذي يعيشه قطاع كبير من العالم. فهل يخفف القيود المفروضة من أجل دعم النشاط الاقتصادي أم يواصل العمل بها لتفادي انتشار الفايروس.

ورفعت السلطات مؤخرا حظر التجول أثناء النهار لكنها أعلنت غرامات جديدة على من يخالفونه أثناء الليل. وتقول منظمة الصحة العالمية إن على العراق مواصلة العمل بالقيود السارية.

أما إسراء خليل التي لقي شقيقاها مصرعهما على أيدي فصائل مسلحة في 2006 وتوفي زوجها بعد إصابته بعدوى في الحلق منذ عدة سنوات فتعول طفليها بإعانة كانت والدتها تحصل عليها من الدولة. لكن أمها توفيت في مارس وتوقف صرف الإعانة.

وقال الهنداوي إن وزارة التخطيط تجري دراسة لمعرفة عدد العراقيين الذين فقدوا أشغالهم أو انضموا إلى صفوف الفقراء. ولم يتسن الاتصال بمتحدث باسم الحكومة لمزيد من التعليق على الأزمة الاقتصادية.

يواجه العراق التحديات الاقتصادية والصحية من جائحة كوفيد – 19 في غياب حكومة مستقرة ويرى مراقبون أن تراكم هذه الأزمات سيجعل العراق أمام تحديات بالجملة ستزيد في تأزيم الوضع الاجتماعي في بلد يخرج من حرب ليدخل أخرى.

فقد اضطرت حكومة رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي للاستقالة العام الماضي بسبب مظاهرات شعبية نظمها عراقيون من الشباب والعاطلين احتجاجا عما يصفونه بفساد النخبة الحاكمة. ويتولى عبدالمهدي الآن رئاسة حكومة تصريف الأعمال.

ويكافح رئيس الوزراء المكلف مصطفى الكاظمي، وهو ثالث عراقي يكلف بتشكيل الحكومة في ثلاثة أشهر، لتأليف حكومة تقبلها أحزاب متنافسة في مهلة تنتهي هذا الأسبوع.

ومن دون حكومة جديدة لا يمكن تعديل ميزانية العراق القائمة على أسعار نفط تزيد نحو ثلاث مرات على الأسعار الحالية. وقد توقع البنك الدولي هذا الأسبوع أن ينكمش الاقتصاد العراقي بنسبة 9.7 في المئة هذا العام.

7