الوباء يغير قواعد سوق العمل في المنطقة العربية

تسريع توطين الوظائف في الخليج وكشف مواطن ضعف المهن في المغرب العربي.
الاثنين 2021/03/15
كورونا يضبط أوتار سوق العمل

تجمع تقارير الخبراء وتحليلاتهم على أن أزمة جائحة كورونا وإغلاق الاقتصاد العالمي قلبا قواعد سوق العمل في العالم وفي المنطقة العربية، حيث سرّعت موجات تسريح العمالة وكشفت عن مواطن ضعف منظومة الشغل، كما كرست سياسة دعم توطين الوظائف التي صارت أداة للحفاظ على وظائف المواطنين على حساب الوافدين.

لندن - قلبت جائحة كورونا سوق العمل في المنطقة العربية رأسا على عقب، حيث سلطت النظر على مكامن الضعف فيها بكشفها اختلال مهن الباعة المتجولين والحرفيين في منطقة المغرب العربي، أما في منطقة الخليج فقد فُرضت ضغوط لتوطين عدد من الوظائف على أساس مراجعة الكفاءات، فيما أجبرت الشركات على تسريح أعداد كبيرة من الموظفين في مختلف دول العالم.

وفي سياق هذه المتغيرات استغلت حكومات دول الخليج فرصة سانحة من أجل الإسراع في تنفيذ خطط توطين الكفاءات المحلية، حيث أعلنت حكومات على غرار سلطنة عمان والبحرين والسعودية في مجالات محددة.

واستقطبت دول الخليج على امتداد سنوات خاصة مع صعود أسعار النفط أعدادا كبيرة من الأيدي العاملة الوافدة، لاسيما في مجال الخدمات والإنشاءات والإدارة.

ولكن بفعل صدمة انخفاض أسعار النفط وتأثيرات أزمة كورونا بات جزء من الوافدين يشكل فائضا عن الحاجة الحقيقية لسوق العمل وعبئا على اقتصادات منطقة الخليج مما دفع إلى التخلي عن عدد منها وتوطين الوظائف المحلية.

وكان ازدياد العمالة الوافدة قد أربك مشكلة التركيبة السكانية لدول الخليج الست، خاصة من قدموا دون كفاءة أو من يزاولون أعمالا في الاقتصاد الموازي والهامشي غير المنظم كالأعمال الحرة واليومية أو غير القانونية.

العمالة في القطاع الموازي في المغرب العربي

  • تونس: 58.8 في المئة
  • الجزائر: 63.3 في المئة
  • المغرب: 79.9 في المئة

وأشارت دراسة نشرها مركز مجلس الخليج العربي للدراسات والبحوث، ومقره الكويت، في وقت سابق إلى أن الوظائف المرتبطة بالمواهب والمهارات والخبرات التقنية والكفاءات النادرة فقط من ستصمد أمام موجة تغيرات محتملة في دول المنطقة.

وباتت حكومات الخليج بعد الوباء بحاجة إلى زيادة نسب تأهيل عمالتها المحلية لتعوض أكبر نسبة ممكنة من الأيدي العاملة الوافدة، خاصة في الإدارة بالقطاعين العام والخاص وقطاع التعليم والمجالات القانونية والشؤون الدينية والجمعيات.

وفرضت الجائحة القيام بمراجعة شاملة لمنظومة سوق العمل، وربطه بانتداب الكفاءات خاصة في المجال الاستشاري والفني والعلمي أو اليد العاملة الضرورية في قطاعات تشغيلية وأصحاب الحرف، أصبح أمرا ضروريا اليوم.

أما في منطقة المغرب العربي، في تونس والجزائر والمغرب، فقد مثل الوباء فرصة لكشف مكامن ضعف سوق العمل حيث سلط النظر على المهن الهشة، ويفتقد أغلب العمالة للحماية الاجتماعية، ويعملون في ظروف هشة دون عقود عمل ودون مدخرات.

وقضى فايروس كورونا على مهن الباعة المتجولين التي تنتشر في بلدان المغرب العربي، حيث قوضت الأزمة على وجه الخصوص العاملين في القطاع غير المنظم، مثل العديد من الحرفيين والباعة المتجولين والعمال المياومين أو عاملات البيوت، ما يمثل الملايين من العمال على مستوى البلدان الثلاثة وعدد سكانها مجتمعة نحو 90 مليون شخص.

ويمثل عدد العاملين في الاقتصاد الموازي الخارج عن سجلات الدولة نحو 79.9 في المئة في المغرب، مقابل 63.3 في المئة في الجزائر ونحو 58.8 في المئة في تونس، بحسب أرقام نشرتها منظمة العمل الدولية في عام 2018.

Thumbnail

وفي محاولة لمساعدة هذه الفئات منح المغرب هؤلاء العمال تعويضا شهريا قدره 2000 درهم (نحو 200 دولار)، لتخفيف تداعيات الإغلاق.

وفي الجزائر، حيث يمثل القطاع غير المهيكل نحو 40 إلى 50 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، تأزمت الأوضاع منذ إغلاق المقاهي والمطاعم وتعليق وسائل النقل العام، وفرض حجر صحي جزئي منذ الاثنين في العاصمة الجزائر ومنطقة البليدة الأكثر تضررا من انتشار الوباء.

وفي العالم مثل التهديد الذي واجه العمال، وكثير منهم من ذوي الأجور المنخفضة، انعكاسا حادا للركود الكبير 2008-2009، عندما تحمل عمال البناء والمصانع والمكاتب والخدمات المالية عبء فقدان الوظائف.

ويقول مراقبون إن لا أحد يعرف بالضبط كيف سيبدو سوق العمل عندما تنتهي فترة الفايروس. هل سيشعر المستهلكون بالثقة الكافية للعودة إلى المطاعم والحانات ودور السينما والمتاجر، مما يسمح لتلك الشركات الراكدة بتوظيف أكبر عدد ممكن من الناس كما كانوا يفعلون من قبل.

وقالت لوريتا بن رئيسة مبادرة “فيرجينيا ريدي”، التي تساعد العمال على تطوير مهارات جديدة وإيجاد وظائف جديدة “الوظائف تتغير، الصناعات تتغير. نحن نخلق وضعا جديدا كل يوم”.

ويمكن أن تصبح العادات التي اعتاد الناس عليها في فترات الوباء -العمل والتسوق والأكل والاستمتاع بالترفيه من المنزل- مستدامة بالنسبة للكثيرين. وعلى الرغم من أن هذه الاتجاهات سبقت انتشار الفايروس، إلا أن الوباء أدى إلى ترسيخها. واعتمادا على مدى انتشار هذه العادات، قد لا يزيد الطلب على النوادل والصرافين وموظفي المكاتب الأمامية ومحصلي التذاكر، مثلما كان يحدث من قبل.

الجائحة فرضت مراجعة منظومة سوق العمل في الخليج، وانتداب الكفاءات خاصة في المجال الاستشاري والفني والعلمي أكثر من أي وقت

وتقدر شركة الاستشارات “مكينزي آند كو” أن الولايات المتحدة ستفقد 4.3 مليون وظيفة في مجالات خدمة الزبائن والطعام في العقد المقبل.

وفي دراسة، خلص خوسيه مار باريرو من كلية “آي.تي.آيه.إم” للأعمال في المكسيك ونيك بلوم من جامعة ستانفورد وستيفن ديفيس من جامعة شيكاغو، إلى أن 32 في المئة إلى 42 في المئة من تسريحات العمل بسبب فايروس كورونا ستكون دائمة.

وحاولت وزارة العمل الأميركية أيضا تقدير التأثير المحتمل للوباء على سوق العمل. وقبل أخذ الوباء في الاعتبار، توقعت الوزارة العام الماضي أن الوظائف في الولايات المتحدة ستنمو بنسبة 3.7 في المئة بين عامي 2019 و2029.

وفي الشهر الماضي، أشارت التقديرات إلى أنه إذا اقتصرت الآثار الاقتصادية الدائمة لتفشي المرض بشكل أساسي على زيادة العمل من المنزل، فإن نمو الوظائف على مدى السنوات العشر سيتباطأ إلى 2.9 في المئة.

وفي أوروبا، حالت برامج الوظائف الحكومية دون حدوث ارتفاع مدمر في معدلات البطالة. وبلغ معدل البطالة في يناير 8.1 في المئة، بارتفاع طفيف فقط من 7.4 في المئة في العام السابق. ومع ذلك تتوقع الشركات في القطاعات الأكثر تضررا سنوات من انخفاض الطلب عليها.

وعلى سبيل المثال، تقلصت القوة العاملة في لوفتهانزا من 138 ألفا إلى 110 آلاف في عام 2020. وتخطط شركة “بريتيش آيروايز” لإلغاء 12 ألف وظيفة من القوة العاملة التي يبلغ قوامها 42 ألفا. تم إلغاء 2000 وظيفة من شركة الطيران الإقليمية “فلا بي” ببريطانيا عندما انهارت قبل عام.

10