الوجبات النباتية تحدّ تصرّ ماكدونالدز وكنتاكي على كسبه

هل تلجأ مطاعم الوجبات السريعة لإدراج اللحوم الصناعية في قائمات الطعام.
الأربعاء 2020/01/22
عروض ذكية لارضاء الجميع

اعتماد نظام نباتي صرف والمعروف بـ”فيغن” بالإنجليزية هو الموضة السائدة حاليا في العالم، هذا واقع لا يقبل أي تشكيك بالنظر إلى الانتشار الكبير لهذا الأسلوب الغذائي الخاص ما دفع أشهر سلاسل مطاعم الوجبات السريعة إلى إدخال تعديلات على أكبر مبادئها وأسباب نجاحها وهو التخلي عن اللحم لصالح وجبة نباتية.

لندن - تنتشر مطاعم الوجبات السريعة في منطقة الشرق الأوسط بشكل كبير وتلقى المطاعم العالمية التي تقدم شطائر البرغر أو قطع الدجاج المقلي رواجا كبيرا بين الشباب وعلى رأسها سلسلة مطاعم ماكدونالدز أو كنتاكي، لكن هذه المطاعم والتي تعد الوجهات المفضلة لعشاق الوجبات السريعة اختارت أن تدخل على خط النظام النباتي الذي أصبح موضة العصر.

ويعد تقديم برغر نباتي مثلا بالنسبة لماكدونالدز تحديا حقيقيا باعتبار أن هذه السلسلة اكتسبت نجاحها وشهرتها من سندويتش برغر اللحم الحيواني الذي تقدمه وتختص به، بل إن اسمها في حد ذاته أصبح مقترنا بهذه الوجبة السريعة والدسمة.

وتحظى مطاعم الوجبات السريعة العالمية بشعبية واسعة في الشرق الأوسط، لكن هذه الشعبية تواجه حاليا تحدي المحافظة عليها وزيادتها مع ارتفاع عدد الأشخاص الذين أصبحوا يفضلون الوجبات النباتية على الوجبات المعتمدة أساسا على اللحوم.

واختارت فريدة أحمد، وهي شابة مصرية في العشرينات من عمرها، الانتظام على نظام نباتي صحي لمدة عام. ووصفت، في تصريح لـ”العرب”، الاعتماد على الأكل الصحي والنباتي بأنه “شيء عظيم”، موضحة أنه يحسن كثيرا من الصحة ولا ينقص من احتياجات الجسم كما يروج البعض.

ظاهرة متنامية

تقول فريدة إن “المشكلة الوحيدة التي تواجه النظام الغذائي النباتي هي عدم توفره في المطاعم بصورة واسعة”. وتتابع أن محاولات المطاعم السريعة توفير وجبات نباتية فكرة ذكية تأتي في سياق تصحيح النظرة السلبية تجاه الوجبات السريعة على اعتبار أنها مضرة بالصحة وتسبب السمنة.

وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي خاصة الإنستغرام وارتباطه بظاهرة “الفاشينيستا” في الترويج أكثر فأكثر لنظام الأكل النباتي بسبب قوة التأثير لهذه الفئة على المتابعين الافتراضيين خاصة من فئة الشباب. ويسعى كثيرون لتقليد نمط حياة المؤثرين على الإنستغرام ومجاراتهم في كل سلوكياتهم على أمل أن يصبحوا شبيهين بهم، لاسيما من ناحية الشكل فالحصول على قوام رشيق وجسم خيالي حلم يراود الكثيرين ويعتقدون أن اتباع نظام أكل نباتي هو الوصفة السحرية للوصول إلى تلك النتيجة المنشودة.

والتأثر بنجوم الإنستغرام ومحاولة محاكاة أسلوب حياتهم أولى الأفكار التي تضع الشباب على طريق ينتهي بأن يصبحوا “فيغن” وهو المصطلح الذي أصبح شائعا حاليا.

وتضافرت عوامل عديدة لتجعل النظام النباتي الخيار الأول بالنسبة للكثير من المستهلكين، إذ فرض نفسه في الفترة الأخيرة بفضل التقارير الإعلامية والطبية والعلمية التي تتحدث عن أنواع من البكتيريا أو الأمراض التي يمكن أن تصيب الحيوانات ويمكن أن تنتقل للبشر عن طريق أكل لحوم أبقار أو خراف أو دجاج مريضة.

وساهمت الحملات المدافعة عن حقوق الحيوانات والتي تحذر من الضرر البيئي الذي يمكن أن يحدث بسبب قتل الحيوانات من أجل أكل لحومها في إشاعة النظام النباتي، إذ يعتبر كثيرون أنهم يصبحون “منافقين” إذا أحبوا الحيوانات ودافعوا عنها وفي نفس الوقت يأكلون لحمها.

شعبية متزايدة للنظام النباتي
شعبية متزايدة للنظام النباتي

وارتفع عدد النباتيين في العالم مع إعلان مشاهير مقاطعتهم للمنتجات الحيوانية، ومن بينهم الإعلامي المصري الساخر باسم يوسف والنجوم الأميركيون أمثال مايلي سايرز وناتالي بورتمان ومايك تايسون وبراد بيت وأريانا غراندي وبيونسي وزوجها جاي زي.

وتشير الدكتورة مها رداميس، أخصائية التغذية، إلى اتساع رقعة المتبعين لأنظمة تغذية صحية ونباتية عربيا وليس في الغرب فقط. لكنها حذرت، في حديث لـ”العرب”، من اعتماد النظام النباتي دون الرجوع إلى طبيب لما يمكن أن يخلفه من مشكلات صحية ونقص في فيتامينات مهمة.

وتؤكد أخصائية التغذية أن “هناك وعيا متزايدا بضرورة اتباع أنظمة صحية في الطعام سواء للحصول على قوام رشيق أو من أجل الحفاظ على الصحة العامة، وهي توجهات محمودة في المجتمع”.

وأمام الرفض القاطع لتناول اللحوم والمنتجات الحيوانية بكل أنواعها، لأسباب أخلاقية أو عقائدية أو فلسفية، تم إيجاد البديل لتعويضها وأصبح النباتيون يتمتعون بمجموعة كبيرة من اللحوم والمنتجات المصنوعة من مواد غير حيوانية تقدمها سلاسل المطاعم المختصة في الوجبات السريعة.

واتبع محمد، وهو مصري مقيم في دبي، نظام تغذية نباتيا بعدما أقنعته صديقة في صالة الرياضة بفوائد هذا النظام على الصحة، خصوصا الكبد والكلى.

وتعد دبي من المدن المساعدة على اتباع نظام نباتي في التغذية، في ظل انتشار مطاعم تقديم الوجبات النباتية، بما في ذلك شطائر الهمبرغر المعدة على نحو خاص بحيث تشبه الأصلية، لكنها مصنوعة من مواد نباتية ووجبات قطع الدجاج المقلي الخالية من المنتجات الحيوانية.

اتبع محمد النظام لمدة شهر، لكنه لم يتمكن من الاستمرار فيه نظرا لعدم قدرته على التخلي عن أكل اللحم لمدة أطول، إلى جانب تكلفته العالية حيث يقول “هذا النظام مكلف ربما أكثر من أن يتناول الشخص اللحوم”.

وفي الغرب، تلقى الوجبات الخالية من المنتجات الحيوانية رواجا كبيرا. ورفع ملفوف النقانق النباتي مبيعات سلسلة المخابز البريطانية “غريغز” بنسبة 13.5 بالمئة العام الماضي مقارنة بالعام الذي سبقه، إذ أصبح الوجبة الأكثر مبيعا منذ أن أدرجتها في قائمة طعامها الخاصة بالنباتيين.

وحذت شركات أخرى حذو سلسلة مخابز “غريغز” وسارت على خطاها بهدف افتكاك حصة لها في سوق الوجبات الغذائية النباتية، بعد أن هجر زبائن كثر مطاعم الوجبات السريعة المفضلة لهم بسبب تغير عاداتهم الغذائية وأيضا لاستقطاب زبائن جدد لزيادة الأرباح ورفع حظوظها في المنافسة.

وأطلقت الشركة المالكة لسلسلة مطاعم دجاج كنتاكي (كنتاكي فرايد تشيكن)، العام الماضي، أول برغر نباتي في الولايات المتحدة. وقدّمت ماكدونالدز نسخة نباتية من أصابع الدجاج، وأضافت مطاعم “برغر كينغ” أطباقا خاصة بالنباتيين.

تطور طبيعي

محاولات المطاعم السريعة توفير وجبات نباتية فكرة ذكية تأتي في سياق تصحيح النظرة السلبية تجاه الوجبات السريعة باعتبار أنها مضرة بالصحة وتسبب السمنة
شركات التسويق تستغل التوجه الهائل نحو الأطعمة القائمة على المكونات النباتية

ومن الطبيعي أن تغير مطاعم الوجبات السريعة سياساتها وقائمات طعامها لإرضاء النباتيين بالنظر إلى التطور الكبير في أعداد هؤلاء.

ووفقا لتعداد ركّز على الوجبات الجاهزة البريطانية، أصبحت الوجبات النباتية ضمن الوجبات السريعة الأسرع نموا في المملكة المتحدة وحدها، حيث ارتفعت الطلبات التي تشمل أطعمة خالية من المنتجات الحيوانية بنسبة 388 بالمئة بين عامي 2016 و2018.

ووفق إحصائيات وكالة المعايير الغذائية البريطانية، تضاعف عدد النباتيين أربع مرات في بريطانيا بين عامي 2014 و2019 ليصل إلى 600 ألف، أي ما يعادل 1.16 بالمئة من السكان.

ويقول أحمد رأفت، خبير التسويق الإلكتروني، إنه “رغم تدارك سلاسل المطاعم الشهيرة مثل ماكدونالدز وكنتاكي حقيقة الأمر والخسارة التسويقية المحتملة بإطلاق وجبات مصنوعة بمكونات نباتية بالكامل، لكن يبدو أن الأمر ليس كافيا”.

ويرجع رأفت في تصريحات لـ”العرب” المسألة لسببين؛ الأول لعدم ثقة الزبائن في طبيعة المنتج المقدم لاسيما وأن تلك المطاعم تقوم بالأساس على تقديم اللحوم، وثانيا بسبب إضفاء سعرات حرارية عالية على المنتجات النباتية واستخدام طرق طهي غير صحية وهو ما يجعل النباتيين في ورطة، لأنهم لم يحققوا الهدف المنشود من تبني نظام غذائي بلا منتجات حيوانية.

ويشير رأفت إلى أن نجاح الأمر يقتضي إطلاق حملات توعوية ترويجية توضح اهتمام مطاعم الوجبات السريعة بصحة الزبائن قبل تكديس الأرباح.

وأصبح شهر يناير من كل عام يرتبط بتوجه شريحة كبيرة من المجتمعات الغربية نحو حميات غذائية نباتية بالأساس.

محاولات المطاعم السريعة توفير وجبات نباتية فكرة ذكية تأتي في سياق تصحيح النظرة السلبية تجاه الوجبات السريعة باعتبار أنها مضرة بالصحة وتسبب السمنة

ومثّل تحدي النباتيين الذي دفع إلى هذه التغييرات التي تبنتها مطاعم الوجبات السريعة الأشهر في العالم فرصة ذهبية للنباتيين الذين أصبحوا يتمتعون بتشكيلة أوسع من الخيارات، وأمام الشركات التي تدير سلاسل المطاعم والتي تمكنت من حشد فئة جديدة من الزبائن ورفع معدّل أرباحها.

وتعد أموال النباتيين عاملا قويا لزيادة الأرباح لسلاسل المطاعم والشركات العالمية التي تقدم الوجبات السريعة. كما تستفيد مؤسسات التسويق والدعاية من هذه الاتجاهات الموسمية وتعمل على استغلال التوجه الهائل نحو الأطعمة السريعة القائمة على المكونات النباتية.

ولم يكن يعني استعداد سلاسل المطاعم الشهيرة لتلبية رغبات الزبائن النباتيين تخليها عن منتجاتها الحيوانية التي عرفت بها واكتسبت شهرة عالمية والتي تتمتع بجمهور واسع من المستهلكين.

وفي ظل التطورات الجديدة والتغير في السلوك الغذائي على مستوى العالم، أصبح التساؤل المطروح هو هل تعد الوجبات النباتية السريعة فرصة لحشد المستهلكين وجعلهم مدمنين على أطعمة المطاعم التي تقدمها؟

وكانت سلسلة مطاعم كنتاكي قد حققت مبيعات قياسية في الولايات المتحدة العام الماضي حيث نجحت في بيع مخزونها من “الدجاج النباتي” في خمس ساعات فقط بعد تقديم طبق “أصابع الدجاج” الذي تشتهر به في نسخة خالية من اللحوم، و”أجنحة الدجاج” بمكوّنات تنتجها شركة “بيوند ميت” المتخصصة في إنتاج بدائل اللحوم النباتية ويقع مقرها في مدينة لوس أنجلس.

وبالنسبة لهذه الشركات التجارية كان هدفها يتجاوز سوق الزبائن النباتيين المتنامي، إذ أراد مبتكرو الوصفات الجديدة تصميم وجبة تعطي مكوناتها مظهر الدجاج وطعمه لكنها في نفس الوقت خالية من أي مكون أو منتج حيواني. واعتمدت مطاعم الوجبات السريعة قائمة خاصة موجهة للزبائن النباتيين وأولئك المستعدين لخوض تجربة الطعام النباتي الصرف، والأمر النسبة لها ليس مجرد تقديم عرض لفترة زمنية محددة أو لمناسبة معينة إدراكا منها لأهمية جعل النباتيين زبائن أوفياء.

12