الوجه الآخر للفرنكوفونية لم يعد خافيا على أحد

أغلب الفرنكوفونيين يكتب بالفرنسية لأنه لم يتقن سواها، أو أنه تمرّس بها أكثر مما تمرّس بلغة بني وطنه لأسباب تاريخية معلومة، أو نتيجة خيارات تربوية مفروضة.
الخميس 2019/08/15
الفرنكوفونية بوجه قاتم أيضا

بين "غنيمة الحرب" و"المنفى"، نغفل عن الدوافع الأساسية للفرنكوفونية، التي جعلت الفرنسية، منذ نهاية القرن التاسع عشر، المعادل اللساني لسلطة السيف، والجهاز الأيديولوجي للإمبريالية الكولونيالية الفرنسية. وهو ما يحتاج إلى مقاربة أكثر موضوعية.

ما زال بعض الكتاب الفرنكوفونيين يرون في اللغة الفرنسية “غنيمة حرب”، وكانت فعلا كذلك يوم أطلق تلك المقولة كاتب ياسين، وتسلّح بها الجزائريون لمقاومة الاحتلال الفرنسي، وفضح سياسته الاستعمارية البشعة وجرائمه الفظيعة. ولكن التعلق بها في بلدان المغرب العربي بعد رحيل المستعمِر أثار، ولا يزال يثير، جدلا طويلا حول أسباب تمسك جانب من الكتاب المغاربيين بتلك اللغة، ويطرح مسألة الانتماء، لاسيما إذا كانت نصوصهم خاضعة لتصورات الإثنية المركزية الغربية، لأن النصوص الأدبية ليست مجرد بنى نحوية وصرفية ومنظومة لغوية بريئة، بل هي حمّالة لمعانٍ وقيم، مشحونة بأيديولوجيا مضمرة أو بادية بين السطور.

الفرنكوفونية الاستعمارية

أغلب الفرنكوفونيين يكتب بالفرنسية لأنه لم يتقن سواها، أو أنه تمرّس بها أكثر مما تمرّس بلغة بني وطنه لأسباب تاريخية معلومة، أو نتيجة خيارات تربوية مفروضة. منهم من يبحث عن الشهرة فلا يجد غضاضة في التركيز على مظاهر البؤس والتخلف في مجتمعه لكي يرضى عنه الناشر الأجنبي، فيثبّت بذلك الصورة التي يحملها الغرب عنّا؛ ومنهم من يربأ بقلمه عن أن يكون أداة لتحقير مجتمعه، فتواجَه نصوصُه حينئذ بالرفض، لأنها لا تتماشى مع الموقف الإثني المركزي ذاك.

ولكنّ كلا الطرفين يطبّق عن وعي أو غير وعي استراتيجية وضعها الفرنسيون منذ أواخر القرن التاسع عشر، لجعل الفرنسية سلاحا يُخضعون به الرقاب. هذه الاستراتيجية صاغها عالم الجغرافيا أونيزيم ريكلو (1837-1916)، منظر الفرنكوفونية التي لا تنفصل في اعتقاده عن التوسع الكولونيالي، وكان دعا إليه بحماس في مؤلفات نذكر من بينها “تقاسم العالم”، “بداية مصير عظيم”، “فرنسا، الجزائر، والمستعمرات”.

الفرنكوفونية كانت المعادل اللساني لسلطة السيف، أي أنها جُعلت منذ البداية كجهاز أيديولوجي للإمبريالية
الفرنكوفونية كانت المعادل اللساني لسلطة السيف، أي أنها جُعلت منذ البداية كجهاز أيديولوجي للإمبريالية

كان ذلك عقب هزيمة فرنسا أمام القوات البروسية في معركة سودان عام 1871، وفقدانها مقاطعتي الألزاس واللورين، وتردّيها إلى حالة ضعف تخالف فكرة العظمة التي كانت تتباهى بها، ما دفع قادتها في تلك الفترة، وفي مقدمتهم جول فيري (1832-1893) إلى البحث عن حلول تعيد إليها مجدها المفقود، فكان التوسع الاستعماري هو الملاذ، وإن رأى فيه معظمهم آنذاك مجرد مستوطنات ذات صبغة تجارية، للاستيلاء على خيرات البلدان الضعيفة. إلا أن أونيزيم ريكلو قدّر أن ذلك وحده لا يكفي، ولا بدّ من شيء يرفده، شيء يصمد بمرور الزمن.

وهذا ما لا يمكن أن يأتي من الفرنسيين أنفسهم لقلة تعدادهم، وضعف نموهم الديموغرافي، واشتغال غالبيتهم في المصانع، واستنكافهم عن الهجرة، ما يجعل تأهيل المستوطنات أمرا عسيرا. ولم تجد فرنسا من حلّ سوى العمل بنظرية ريكلو، الداعية إلى استيعاب الشعوب المغزوّة عن طريق نشر اللغة، إذ كتب يقول “إذا خَثّرتْ لغةٌ شعبًا، فكل العناصر العِرقية لذلك الشعب تغدو رهينةَ تلك اللغة”، لأن اللغة لديه عماد الإمبراطوريات، والعروة الوثقى للحضارات.

وعندما ابتكر الفرنكوفونية عام 1880، كانت بالنسبة إليه المعادل اللساني لسلطة السيف، أي أنها جُعلت منذ البداية كجهاز أيديولوجي للإمبريالية الفرنسية، يتخذ اللغة وسيلة لفرض نفوذ دون سلطة على شعوب مغلوبة عسكريّا. كان يقول “ستكفّ اللغة الفرنسية عن كونيتها المزعومة، المنسحبة في ركنها من العالم، لتصبح كلامَ مئاتِ الملايين من البشر من شتى الأصول، من أبناء يافث، وسام، وحام، ويأجوج ومأجوج، وأسلاف آخرين مجهولين”.

كان يقول “الفرنكوفونيون الذين نقبلهم هم كل الذين أبدوا استعدادا للبقاء أو المشاركة في لغتنا، أولئك الذين نحن أسيادهم بعد”. ورغم أنه ذكر كل الشعوب التي ينبغي فرض الفرنسية عليها، في فرنسا وخارجها، فإن التقسيم الحالي للفرنكوفونية لا يحتفظ بغير أصلاء المستعمرات القديمة، إذ إن البلجيكية أميلي نوتومب، والروماني يونسكو، والروسي أداموف، والأميركي جوليان غرين وسواهم كثير لا يُعَدّون اليوم من الفرنكوفونيين، لأن الغاية كما أسلفنا هي فرض الهيمنة الاقتصادية عن طريق اللغة على الشعوب المغلوبة بالأساس، وليس أدل على ذلك من أن  تدريس اللغة الفرنسية منذ قيام الإمبراطورية الكولونيالية الفرنسية صار إجباريا في كل المستعمرات، وكانت تدرّس لأطفال النخب وزعماء القبائل المحلية بصفة خاصة، ما أوجد نخبة حافظت بعد الاستقلال على اللغة الكولونيالية كلغة رسمية، لاسيما في البلدان الأفريقية.

اللغة والشعب

لا تزال فرنسا حريصة على الفضاء الفرنكوفوني، لا حبّا في نشر الثقافة والحضارة وفكر الأنوار كما يشاع، بل ليظل سوقا لشركاتها ورجال أعمالها، تفرض استمراره كمجال حيوي لاقتصادها ولو بقوة السلاح، كما حصل في عدة بلدان أفريقية. وليس غريبا أن يقترح جاك أتالي في تقرير بعنوان “الفرنكوفونية والفرنكوفيلية محرّكا لنمو دائم” كان رفعه إلى الرئيس الفرنسي الأسبق فرنسوا هولاند عام 2014، ألحّ فيه على التمسك بالفضاء الذي “غنمت” شعوبُها اللغةَ الفرنسية كسوق كبرى للشركات الفرنسية، لاسيما أن هذا الفضاء الجيوسياسي مرشّح لنمو سكاني مهول في المستقبل القريب. ومن الطبيعي أن تظل الفرنسية، التي تواجه زحف الإنكليزية، هي اللغة المسيطرة. ألم يكن ريكلو يدعو إلى إقامة “أفريقيا فرنسية” يوحدّها نشرُ اللغة القومية؟

وغنيّ عن القول إننا لا نخوّن أحدا، ولا نطعن في هوية أحد، ولا نصادر حقّ أي كان في التعبير عن شواغله باللغة التي يريد، وإنما نذكّر بأن من يكتبون بالفرنسية إنما يكرّسون، عن وعي أو غير وعي، استراتيجية وضعت منذ نحو قرن ونصف لخدمة المصالح الاستعمارية. وإن قدّموا الأعذار لفصل الأدب عن الانتماء، حين يعتبرون أن “الإبداع لا وطن له” كما قال إدريس الشرايبي، وأن “الكتابة عمل فني وليس فعلا وطنيا” كما صرّح مصطفى التليلي، وأن “سؤال الكاتب عن هويته هو عمل بوليسي” كما ورد في نص للطاهر بن جلون، وأن “الكاتب الحقّ هو مواطن من مواطني العالم” كما جاء في حديث لهادي بوراوي، بل إن كاتبة مثل ليلى صبار تقول صراحة “إن الآخر بالنسبة إليّ هو العربي”.

أما عن كمال دواد وبوعلام صنصال فحدّث ولا حرج، فهما يعاديان العروبة والإسلام، بدعوى مقاومة الظلامية والفكر الإخواني. لئن كان تعلّم الفرنسية، واللغات الأجنبية عموما، ضروريا للاطلاع على منجزات الأمم الأخرى والأخذ بأسباب الحداثة، فإن ذلك لا يعني إحلالها محلّ لغتنا، التي توحّدنا جميعا من الماء إلى الماء. و”لذلك قيل: اللغة تصنع الشعب”، كما يؤكد أونيزيم ريكلو، العقل المدبّر للفرنكوفونية.

14