الوجه الآخر لمارسيل دوشامب نجم الإنتليجنسيا الأميركية

الاثنين 2014/11/24
لوحات دوشامب الأولى حظيت بتأويلات عديدة خيميائية ورمزية

باريس- بعد معرض 1977، يحتفي مركز بومبيدو بباريس مرة أخرى بمارسيل دوشامب، أحد أقطاب الفن التشكيلي في العالم، ويحرص على إظهار بعده الآخر الذي تخلى عنه في مقتبل حياته، ليظهر ما كان من شغفه باللوحة والألوان الزيتية، قبل أن يهجرهما، ويختار طريقا سوف يخلد بها ذكره.

اقترن اسم مارسيل دوشامب (1887 /1968) بالريدي ميد ready-made، تلك الأشياء العادية التي كان يلتقطها ويعرضها كما هي، معتبرا إياها عملا فنيا متكاملا، وصار كلما ذُكر تبادرت إلى ذهن السامع صور “عجلة دراجة” و”حاملة زجاجة” وخصوصا “الينبوع”، تلك الـمَبْولة التي اكتفى بتغيير وضعها من العمودي إلى الأفقي.

ورغم ذلك فالعمل الذي حاز بفضله شهرة عالمية هو “عار ينزل السلّم”. لوحة ذات منحى تكعيبي كان ينوي عرضها عام 1912 في صالون المستقلين بباريس، ولكن المنظمين رفضوا تعليقها، لأنها لا تستجيب لما ينبغي أن يكون عليه العري.

فالعاري كما قال أحدهم لا ينزل السلم، وقد اعتادوا ألا يروه إلا جالسا أو مستلقيا على كنبة كما في لوحة “أولمبيا” لأدوار مانيه، أو على فراش كما في لوحة “أصل العالم” لغوستاف كوربيه.

ولكن لم تمض سنة حتى قابلها الأميركيون بترحاب كبير جعل من صاحبها نجم الإنتليجنسيا الأميركية إثر عرضها في متحف أرموريشو بنيويورك. وبذلك انفتحت أمام دوشامب أبواب المجد، ولم يتمّ بعدُ عامه الخامس والعشرين.

بل إن صاحب إحدى أروقة الفنون عرَض عليه مبلغ عشرة آلاف دولار في السنة عن أعماله المقبلة. غير أن دوشامب رفض العرض، ثم صار يعرب في أحاديثه عن اشمئزازه من مادة “التيريبنتين” قبل أن يخرج إلى عشاق الفن ونقاده ومؤرخيه والساهرين على متاحفه ومعارضه بـمَبْولة عادية، جعلها في وضع أفقي وكتب عليها: R. Mutt، في حركة عدّت ساعتها استفزازا واستهتارا بالفن.

ولم يأت عام 1923 حتى أعلن تخليه عن الرسم نهائيا، ولم يفهم المهتمون بالشأن الفني لماذا أقلع ذلك الشاب الذي نشأ في وسط فني، وبدأ يمارس الرسم منذ الصغر مقتديا بأخويه جاك وريمون، مجربا أغلب الأجناس الفنية كالبورتريه والمناظر الطبيعية والعري والكاريكاتير.

مستفيدا من شتى المدارس -من الانطباعية الجديدة والرمزية والتوحشية وصولا إلى انخراطه في التكعيبية-، ومن ارتياده المعارض لتأمل أعمال مانيه ولوكاس كراناخ وبوكلين وماتيس بخاصة.

إقلاع دوشامب عن الرسم يراه بعض النقاد كنتيجة لخيبة حلمه بالجمع بين العلم والفن

لقد امتلك من المهارة والتقنية ما جعله يبدع في كل مجال، فهو حين يستعير من التوحشية أسلوبها يتصرف في الألوان واللمسة أحسن من أتباع ماتيس في تلك الحقبة، وحينما يقبل على التكعيبية يمعن في نشر المستويات والخطوط بشكل يكاد يغطي على الصورة، حتى أنه كان عام 1912 أكثر إيغالا في ذلك المسلك الوعر من أولئك الذين نصبوا أنفسهم منظرين للجمالية الجديدة، مثل ألبير غليز وجان ميتزنغر.

وكان إلى ذلك يبدي عناية فائقة عند الاشتغال على لوحاته، حيث يعمد إلى رسوم دقيقة ذات هندسة معقدة تمهّد دائما لإنجاز بديع، يحيل على لوحات “الطبيعة الميتة” الهولندية في القرن السابع عشر، التي درسها أثناء إقامته القصيرة بألمانيا، مثلما هو الشأن في لوحة “مرور العذراء إلى عروس” و”عروس” اللتين تبرهنان على براعته.

فما الذي غيّره ودفعه إلى “الريدي ميد”؟ والتصريح صبحا وعشية في فترة ما بين الحربين أن الفن التشكيلي عديم القيمة، وأن “الرسم الزيتي صار يشبه قبعة قديمة”، وأنه يفضل استعمال لوحات رمبرانت كخشبة لكي الملابس؟

لقد اختلف النقاد والمؤرخون في تفسير قراره ذاك؛ بعضهم عزوا إقلاعه عن الرسم إلى الاستياء الذي خلّفه في نفسه رفض الصالون للوحة “عري ينزل السلّم”، وجعله يقطع صلته بمجموعة التكعيبيين التي ينتمي إليها أخواه، فيما يرى آخرون أن السبب يرجع إلى مفهومه للفن، فقد كان يبحث عن كيفية صياغة عمل ينسجم مع العصر، وهو ما تؤكده سيسيل دوبريه مفوضة المعرض التي أكدت أن دوشامب كان طُلَعة يهتم باكتشافات العصر كالبصريات والأشعة السينية والإشعاعات.

دوشامب تخلى عن دوره الاجتماعي كفنان، ولكنه لم يتخل تماما عن الفن

وكانت قراءاته تدفعه إلى “إعادة ابتكار الفن التشكيلي”، ومن ثم كانت أعماله تعكس محاولته الإمساك بما لا تدركه شبكة العين، وما لوحة “عري” إلا تطبيق لتحليل الحركة تصويريا لدى إتيان جول ماريه، كذلك لوحة “الكأس الكبرى” التي حظيت بتأويلات عديدة خيميائية ورمزية وحتى مالارمية (نسبة إلى الشاعر مالارميه).

كان يجرب أصباغا من أنسجة الحيوان أو النبات وأكسيد الرصاص الأحمر وأسلاكا رفيعة من الرصاص، وخيّر الزجاج على القماشة ليثير البعد الرابع، ولكن بعد جهود مضنية دامت أربع عشرة سنة، تخلى عن تلك التجارب، “مثل شخص يتوقف عن مهمة بدت له مستحيلة”، كما تقول سيسيل دوبريه، وهو ما لا يخالفها فيه الأكاديمي جان كلير، فهو يفسر إقلاع دوشامب عن الرسم كـ”نتيجة لخيبة حلمه بالجمع بين العلم والفن”.

بقي أن نقول إن دوشامب تخلّى عن دوره الاجتماعي كفنان، ولكنه لم يتخلّ تماما عن الفن، ففي عام 1935، جمع نماذج مصغرة من أعماله في “علبة - حقيبة” حسبما سماها، كمتحف متنقل كان يجوب بها العالم.

16