الوجه العربي للمملكة السعودية‎

السبت 2016/10/15

أثار تصويت مندوب مصر لصالح مشروع القرار الروسي بشأن الأزمة السورية موجة من الانتقادات الرسمية من الجانب السعودي، على إثرها شنت مصر حملة إعلامية شرسة ضد السعودية. حقيقة، الموقف المصري من الفيتو الروسي ليس نهاية الدنيا، ولا فرصة للإخوان المسلمين لعقاب مصر والانتقام من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي. موقف مصر من الأزمة في سوريا معروف، وهو لا يتعلق ببقاء بشار الأسد أو رحيله، بل بالبدائل التي تطرحها السعودية وتركيا عنه. أن تكون الفصائل الإسلامية بديلا عن نظام البعث العلوي في سوريا، يؤثر على استقرار مصر، ويجعل سوريا أرضا صلبة تحت أقدام الإخوان للانقضاض على حكومتها. تمكنت إيران من خلال الأحزاب والتنظيمات التابعة لها في السلطة من استغلال الموارد البشرية والاقتصادية للدولة العراقية لفرض نفوذها في المنطقة، وهكذا تريد تركيا الإسلامية في سوريا.

المتابع للصراع يرى بوضوح بأن تركيا تلجأ إلى قوميتها للخروج من الأزمات أو تخفيفها، كذلك تفعل إيران الخمينية، وهكذا تحتاج السعودية إلى التمسك بقوميتها ولو على الصعيد الإعلامي لكسب الرأي العام العربي. بوجود قوى عظمى أميركية روسية تدير الصراع دبلوماسيا وعسكريا، تحتاج السعودية لقوة الرأي العام العربي ليجعلها أكثر تأثيرا من إيران وتركيا.

صادر إخوان سوريا ثورة الشعب السوري ظنا منهم الفوز بالحكم على غرار ما حصل مع الإخوان في مصر بعد ثورة 25 يناير 2011. وعندما لم يحالفهم الحظ بسبب الدعم الإيراني والعراقي الشيعي لبشار الأسد، استدرجوا السعودية إلى الحرب في سوريا، ورسخوا شرعية دخول إيران فيها للدفاع عن الأسد. تحولت الثورة إلى صراع لمشاريع الإسلام السياسي، ثم إلى طريق مفتوح لتدخل الدول العظمى للهيمنة على المنطقة، إما بذريعة إنسانية تقتضي الدفاع عن الشعب السوري، وإما بذريعة الحرب على الإرهاب. وضمن سلسلة التحولات التي شهدها الفكر الإخواني، ابتداء من تنظيم القاعدة مع أسامة بن لادن، وانتهاء بتنظيم داعش، إلى أن صار الفكر السلفي بمختلف مشتقاته من التنظيمات المتشددة مصدرا للإرهاب تُتّهم بدعمه السعودية.

المشهد الذي بدأ بحرب القاعدة مع أميركا ضد الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، وانتهى بالحرب على داعش في سوريا والعراق، يبدو كوميديّا عندما نرى الإخوان ورجب طيب أردوغان بعد محاولة الانقلاب العسكري ينسّقان مع القوى العظمى في الحرب على الإرهاب، بينما السعودية التي أعلنت الحرب على داعش منذ احتلال الموصل تفاوض تلك القوى لتبعد عن نفسها تهمة الإرهاب.

منذ متى صارت السعودية لا تريد بشار الأسد؟ ليس بالزمن البعيد ذلك الذي كان فيه بشار الأسد يمسك بيد الملك عبدالله، ويتحاور الشيخ والشاب حول تسوية الخلافات وهما في طريقهما لحضور أحد مؤتمرات القمة العربية. لماذا لا تريد السعودية الأسد اليوم؟ هل لأن الأسد مجرم قتل شعبه، أم لأن إيران تريد الأسد؟ لماذا إيران تريد الأسد؟ هل لأن الأسد شيعي، أم لأن الأسد ضد السعودية؟ ماذا لو لدغت الأسد أفعى ومات، هل ستتوقف السعودية عن الحرب ودعم الفصائل المسلحة في سوريا؟ وماذا لو تخلت السعودية عن شرطها ووافقت على بقاء الأسد، هل ستسحب إيران ميليشياتها من سوريا؟ السؤال الأخطر، لماذا يجب أن تتوقف الحرب في سوريا؟

تحتاج السعودية الملامح الواضحة لوجهها العربي لتخفيف أزماتها مع الغرب وإغلاق أبواب الابتزاز الأميركي لها. الحرب الإعلامية بينها وبين مصر لصالح تركيا تهدد ما يمكن أن تكسبه الرياض لدى الرأي العام العربي، وهو الإنجاز الذي حققته سياستها الخارجية مؤخرا. تحتاج لأن لا تجعل من بقاء بشار الأسد أو رحيله ذريعة روسية أميركية لكسب الوقت وفرض هيمنتهما الكاملة على المنطقة. ليسقط نظام البعث العلوي ويبقى الأسد لمرحلة انتقالية تشرف عليها الأمم المتحدة وبقرارات دولية. أين المشكلة، طالما في النهاية سيقرر الشعب السوري مصيره بنفسه كما فعل الشعب المصري والتونسي؟

من جانب آخر، الخطاب الأخير للسيد حسن نصرالله بمناسبة العاشر من محرم، يؤكد تقهقر مشروع ولاية الفقيه وعجز إيران عن مواصلة الحرب في سوريا والعراق واليمن. لأول مرة يخاطب نصرالله الوجدان الشيعي لا العقل العربي. لم تعد الحرب خياره الوحيد ضد إسرائيل بل ضد السعودية. إصراره المتكرر على تأطير ولائه لمرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي، كان أشبه بمحاولة لترسيخ الدور الإيراني في الحرب، إحراج لإيران يحاول حسن نصرالله من خلاله منعها عن التراجع كممثل للفصائل الشيعية المسلحة. ولأن خطاب الوجدان والحماس العقائدي لمثل زعيم حزب الله مؤشر على اللاشيء. فقد حان الوقت لتوقف الحرب في اليمن كخطوة سياسية مهمة تتخذها السعودية لكسب الشارع العربي. حروب اليوم ليست كحروب الأمس، النصر فيها لمن يهزم عدوه. حروب اليوم الانتصار فيها لمن يقرر شروط نهايتها.

تقليص المناطق الساخنة يمنح الشعوب العربية فرصة للطمأنينة والأمان، ويساعدها على إيجاد الحلول المنسجمة مع واقعها لا مع ما يفرضه عليها الغرب. إذا كانت القوى العظمى تريد الحرب لإرباك المنطقة واختلاق الأزمات من أجل مصالحها، لماذا لا تكون هناك سياسة عربية تتعامل مع الأزمات وفق رؤى تخدم المصالح العربية. يحتاج العرب لأن يتخلصوا من سياسة ردات الفعل تجاه الأحداث، وأن تكون لهم رؤى سياسية متفق عليها للتعامل مع الأزمات.

كاتبة عراقية

9