الوجود، الشاعر وخداع اللغة

الجمعة 2015/09/11

منذ عدة سنوات حضرت ندوة أدبية انعقدت بالمركز الثقافي البريطاني الواقع في الضفة الجنوبية من لندن وشارك فيها شاعران غربيان حائزان على جائزة نوبل للآداب وهما البولندي ميلوتش والروسي جوزيف برودسكي إلى جانب شاعر عربي مشهور، وكانت تلك الندوة مزيجا من القراءات الشعرية والمداخلات ذات الطابع التأملي حينا والنقدي حينا آخر وتلتها مناقشة دارت بين هؤلاء الثلاثة. وخلال جزء من زمان الندوة استغرق شاعرنا العربي في الحديث عن رؤيته الشعرية مركزا على ضرورة إحداث الثورة في اللغة وثانيهما وعلى فهمه للشعر على أنه رؤيا.

بعد انتهاء شاعرنا من كلامه وجه له الشاعر النوبلي برودسكي ملاحظة خلاصتها هي “أن مهمة الشاعر الثائر ليست اختزال ثورة الشعر في اللغة، أو في الجماليات الشكلية المعلقة في الفراغ، أو الرؤى المستغرقة في ما يشبه الشطح والوجد الصوفيين، بل إن ثورة الشعر تبدأ من مقاومة شبكة البنى الاجتماعية، والسياسية، والأخلاقية، والثقافية الرجعية بما في ذلك بنية اللغة التي ترتبط بها عضويا تلك الشبكة المعقدة وتعيد إنتاجها في صورة الحدوس التي لا توفر ما يمكن أن يصبح تمثيلات يصاحبها العقل معه في طريقه إلى اكتشاف العالم من أجل صنع المعرفة”.

في تلك اللحظات تداعى مخزون الذاكرة إليّ وتذكرت شاعرا روسيا بارزا آخر وهو فوزنيسنسكي الذي قال يوما “كل تقدّمٍ رجعيٌّ، إذا كان يفسد الإنسان”، وأعتقد أن قوله يشمل أيضا ذلك النكوص إلى اللغة واعتبارها، منفردة ومعزولة، الشرط الضروري الأول والأخير لبناء أهرام المعرفة، ولأيّ تحوّل راديكالي فكري، أو اجتماعي، أو سياسي، أو أخلاقي، أو مادي.

عندما عدت إلى منزلي الرمادي اللون فتحت كتاب قصائد الشاعر ميلوتش ورحت أقرأ هذا المقطع بعد أن ترجمته إلى العربية وحفظته عن ظهر قلبي في ليالي الغربة الطويلة “ضاع جيلي.. مدن ضاعت وأحلام الأمم. كل شيء كان بالإمكان لو تفادينا خداع اللغة”.

لاشكّ أن اللغة تخدعنا وخاصة عندما نعتقد أننا بها نقول كل شيء، أو أنه بمفاتيحها نفتح صندوق الأسرار الذي تحدّث عنه الشاعر الفرنسي ملارميه يوما ورأى أننا عندما نقترب منه يكون الموت قد قطع الطريق علينا دونه فجأة وبسبب ذلك نخدع مرّة أخرى. نحن إذن نبحث، شعريا، عن هذا الصندوق الذي يسميه المفكر الألماني مارتن هايدغر بالكينونة التي تسكن في بيت اللغة، وهو استعارة أفلاطون القديمة “رحم المرأة هو وعاء الوجود” التي استعارها منه بعد أن قام بقلبها وصياغتها بطريقته، وهي الاستعارة التي استعارها أيضا من مواطنه المفكر هيجل الذي قال قبله بسنين طويلة بأن اللغة هي بيت الوجود.

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

15