الوجود والعدم

الأربعاء 2017/08/30

العداوة الأصيلة لا تكون بحق إلا بعد صداقة عريقة، فيكون النيل بقدر البذل، والأخذ من الذمة والسمعة بقدر إغداق المكرمات. وكأنما العدو المستجد يكفّر عما راكم من صنائع المودة بإتيان مبطلاتها.

وقد لا تجد عزيزي القارئ نقدا لاذعا يشارف الأذى لعمل أدبي أو فني إلا وتكتشف أنه وارد من صديق سابق أو أخ لم تلده أم المبدع في زمن الصفاء، لهذا يتساوى الخروج من الصداقة في المشاعر بين الكتاب بالخروج من حيز الكتابة وقرابة الإبداع، بحيث تتحول رابطة الكتابة إلى قيد يجب ألا يصل من انفرط بينهم عقد الصداقة، ومن ثم يغدو طبيعيا أن يتفانى الإخوة الأعداء في مساعي نفي صفات الشاعر والروائي والناقد والباحث عمن كانوا في زمن الصداقة الجميل كتابا أفذاذا، ومبدعين عظماء، وأن يتحولوا في السياق الجديد إلى مجرد متطفلين على حرفة لا يتقنون فيها سوى التأليف بين الكلمات.

أورد هذه المقدمة لأخلص إلى فكرة أساسية في فهم الإبداع الروائي والسينمائي والتشكيلي والشعري، مفادها أن الفن والتعبير الجمالي عموما لا يمكن أن يكون معزولا عن المشاعر الرافدة له، لهذا يعسر استساغة الخيانات من قبل الكتاب، إلا بوصفها إهدارا ليس فقط لمبدأ الصداقة وإنما لقيمة الانتماء إلى الأدب والفن، وهي القاعدة التي يتحول فيها الزيف والانحلال والجبن واللؤم والضعف والحربائية إلى قيم مطلقة تتلبس الشخص وامتداده التعبيري، فلا يتأتى أن يكون المبدع مخادعا ولئيما في بيته، وصادقا أصيلا أمام اللوحة أو فوق الخشبة أو إزاء الورق الأبيض.

طبعا هي قاعدة ثبتت نسبيتها بشكل كبير بعد تحليلات فرويد ونيتشه وهايدغر وترسخت أكثر إثر النظريات الجمالية التي تناولت الرواية واللوحة والفيلم والقصيدة بما هي نسق مستقل في بنائه الرمزي والقيمي عن المرجعيات السيكولوجية والاجتماعية للكاتب والفنان.

لكن ما لا يستقيم في كل الأحوال هو أن نكون الشيء وعدمه في الآن ذاته، كأن ندافع عن قضايا إنسانية عادلة في كتاباتنا، ولا نؤمن بالعدالة في العمق، لهذا فمسألة الانسجام جوهرية في تصديق الكاتب، فبورخيس لم يكن كاذبا أو مخادعا حين ناصر انقلاب بينوشيه، مثلما أن سيلين لم يكن جبانا أو لئيما حين انتمى إلى المعسكر النازي المحتل لبلده، لقد كان كلاهما صادقا في انتمائه معلنا ذلك في كتاباته، تماما مثلما كان الأمر مع فاغنر ودالي وعشرات من الكتاب والمفكرين والفنانين، ممن انحازوا لأفكار الفاشية، فالخيانة الحقيقية عزيزي القارئ، هي أن نكون هنا وهناك، العدو والصديق، الوجود والعدم، معا وإلى النهاية.

كاتب مغربي

15