الوجود وتأنيث العالم في "رأس الشاعر" الفلسطيني

السبت 2014/03/01
عمر شبانة يخاطب الموت بحميمية ويتجاسر عليه

الناصرة - ينسج الشّاعر عمر شبانة في مجموعته الشّعريّة “رأس الشّاعر”، الصّادرة عن “المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر” في بيروت وعمّان في العام 2013، حوارا مركّبا مع الإنسان والأشياء والعالم، عبر الزّمان والمكان بكلّ حالاته- الوطن/فلسطين والمنفى/السّجن/العالم العربيّ. وترتكز قصائد المجموعة على سيرة ذات الشّاعر، وسيرة وطنه المحتلّ والمنفيّ والتّائه هو عنه.

يمتزج حوار عمر شبانة الشّعريّ بغنائيّة وحلميّة، برمز وبوح وواقعيّة، بنفَس وجدانيّ دراميّ وملحميّ. غاية هذا الحوار فهم الأنا الفرد/ الرّجل/ الرّوح والآخَر الجماعة/ المرأة/ الجسد. ويتقصّد الشّاعر من خلاله مواجهة الذّات/الدّاخل وما فيها من مشاعر إيجابيّة وسلبيّة وشظايا وعزلة وصراعات. إضافة إلى مواجهة المجتمع/الخارج، بما فيه من مفاهيم موروثة ذات خلفيّة ثنائيّة: المقدّس والمدنّس، الحياة والموت، وغيرها. ففي إحدى القصائد الّتي بعنوان “وهج للرّماد”، يقول: “المكانُ غريبٌ هنا/ وأنا واحِدٌ ووحيدٌ/ وخمسين شخصًا أصيرُ/ أصير مئاتٍ/ ألوفًا/ وبعد مئات القرون/ أراني على صدر مملكةٍ للغبار".

إذ نقرأ عن الطّفولة، والأسرة والنّاس، وضياع الأرض والتّرحال في بلاد العالم العربيّ (عمّان، دمشق، القاهرة الخليج)، والأمل بالعودة إلى فلسطين، وتحديدًا إلى بيته المتهدّم فيها. فها هو في قصيدة “عن نهايات بيت” يقول بروحه الطّفلة وجسده المتعَب “غيرَ أنَّ الفتى الكهلَ/ يمضي إلى حربِهِ/ ليجدّد صورته/ ويعود إلى بيته المتهدّم. ويظلّ يتذكّر أريحا وجدّته وبيتها، وعزلته في عالم مادّيّ لا يكترث بالرّوح. ويضيف في قصيدته “من أنا؟” حين يذكر والديه “أمّي زيتونةٌ/ في رُبى القدسِ/ نخلُ أريحا أبي. ويبحث عن أهله الّذين يراودونه دائما كما في قصيدة “هواء حبيبي.. هواء بلادي”، إذ يهجس: “.. يجيئون/ في النّوم/ والشّايِ/ في نعنع الشايِ/ في البرتقالْ/ ويجيئون في أغنياتٍ/ شتائيّة حيث لا مطر/ في السّموات/ إلّا صفير الرّمال".

كما أنّه في المنفى الّذي يتنقّل فيه بين العواصم العربيّة، يلوذ إلى بيته الأصدق في الغربة، وهو ذلك الّذي تشكّله أوراقه وقصائده الّتي تسافر في الذّاكرة وفي الحاضر والمستقبل لتحكي عن الألم والحنين والوجع والتّحدّي والأمل والطّموح والحلم، إذ يقول في قصيدته “عن نهايات بيت”: “بيتهُ هو أوراقهُ ودفاترهُ/ في الخزانةِ أو فوقَ طاولةِ الأكلِ/ أو في السّريرْ".

تأتي هذه المجموعة بعد المجموعتين الشّعريّتين “الطّفل إذ يمضي” (2006) و”غبار الشّمس″ (1996)، تكون في رأس الشّاعر جملة من الأحلام والرّؤى والأمنيات والطّموحات، مثلًا تعود به رؤاه إلى سيرة العالم الأموميّ الأوّل، فهو يحلم/ يطمح في أن يعود العالم أموميًّا، إذ لا زال يرى في المرأة “ألهة”. ففي قصيدته “تأنيث نسر”. يؤنّث نسرًا ونجمًا وسريرًا. كما يؤنّث الجبالفي قصيدته “متاهات”. ويتعمّق أكثر في تقديس الأنثى في قصيدة “فحولة أنثى”، إذ يعلن صرخته العالية لاستعادة الرّوح الأنثى السّامية، تلك الّتي يحلم/ يطمح بها حبيبة ورفيقة تصحبه إلى عالم الخرافات والعشق الأفلاطونيّ.

صرخة لاستعادة إنسانية الإنسان في زمن الوحل

وفي هذا الصّدد نجده يعلن حاجته لاستعادة إنسانيّته وإنسانيّة المرأة معه، وينتقد مجتمعه العربيّ البطريركيّ الأبويّ الّذي يعمل على تشييء جسد المرأة بطرق مختلفة لاستهلاك الرّجل ومتعته الجنسيّة، عبر ما يظهر في وسائل الإعلام وفي البرامج التّلفزيّة وفي الشّوارع والمنابر العامّة، كمسابقات الجمال وعروض الأزياء ومستحضرات التّجميل.. فها هو الشّاعر يخاطبها: “أوقفي هذي الدّعارة/ يا آلهة/ إنّني أحتاج عشقًا/ من خرافات وأفلاطونَ/ من شوقٍ إلى الرّوح المؤنّث/ دمّرت روحي عروضُ الجنس/ مبذولًا على الشّاشات والطّرقات/ إنّي.. في الحضيض”.


فريسة الشهوات


كما ينتقد الشّاعر المرأة الّتي ترضى بدورها في هذا التّمثيل السّلبيّ لجسدها فقد تنساق وراء هذه النّظرة الذّكوريّة بوعي أو بغير وعي، وتؤثر التّنازل عن جوهرها الحقيقيّ مقابل أن تربح علاقة مع ظلّ رجل فحل لا يعرف سوى متعته الجنسيّة معها، إذ يقول: “أنا ابن أوطانٍ/ تعيث بها الفحولة والفحول:”فحولة الشِّعر المدجَّج/ بالسّيوف وبالخيول/ ولا صهيل ولا صليل/ وفحولة أنثى/ تخونُ أنوثةَ الدّنيا/ لتربحَ ظلّ فحلٍ/ ليس يفقه في الأنوثة/ غير ركن المتعة الصّفراء”.

هذا ولا بدّ من التّنويه هنا إلى أنّ المرأة العربيّة تعيش التّناقض الّذي يفرضه عليها المجتمع، فيجب أن تكون باردة وطاهرة لا تشعر بالجنس من جهة، ويجب أن تكون أداة متعة وإشباع لرجلها من جهة أخرى. وجسدها عورة يجب إخفاؤه بمقاييس الأخلاق من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنّ جسدها مفروض عليه أن يبقى شابًّا وهو مباح ويجب تعريته بمقياس الرّواج التّجاريّ والإعلانات عن البضائع. لهذا فإنّ المرأة تغدو فريسة قوّتين متضاربتين في مجتمع يستغلّها ويُفرغها من إنسانيّتها ليجعلها أداة للإمتاع وللشّهوات، ووعاء لإنجاب الأطفال وسلعة تباع وتشترى.

وعليه، فإنّ الشّاعر يتبنّى بجرأة الموقف النّسويّ، الّذي يقاوم قمع النّظام الأبويّ وقيوده المفروضة على النّساء في كافّة المجالات. هذا الموقف الّذي انتهجته نسويّات من العالم الغربيّ منذ القرن العشرين ولاحقًا من العالم العربيّ، حيث التّعامل مع الفكرة الّتي ترى بالجسد شيئًا مركزيًّا، من خلاله تتشكّل علاقات القوّة بين الرّجل والمرأة. وعليه، يتحوّل جسد المرأة مبرمجًا لطبيعة رغبات النّظام الذّكوريّ وشروط الاستهلاك، بغية الحصول على الجسد المثاليّ، وفق مقاييس الجمال الدّقيقة الّتي تستلزم النّحافة ومقاومة العمر والجراحة التّجميليّة.

"ينتقد الشاعرمجتمعه العربيّ البطريركي الأبوي الذي يعمل على تطويع جسد المرأة بطرق مختلفة لاستهلاك الرجل"

موقف الشّاعر المنحاز للمرأة هنا يؤكّد نظرته المختلفة عن السّائد، ويعزّز بذلك خروجه عن السّرب في أشياء كثيرة، منها هذا الموقف النّسويّ، لكنّه في لحظة ضعف يصرّح في قصيدته “ضعف!”: “أحتاجُ رأسي/ هادئًا/ ومدجّنًا/ وصغيرًا/ وكثيرًا../ أحتاج من رأسي الكبير/ كثيرًا:/ أن يرعوي/ ويكفّ عن/ نطح السّحابة/ والصّخور”. وكأنّه يشعر بتعب من تمسّكه بمواقف تشبه قيام رأسه الكبير بنطح السّحاب والصّخور! لكنّه سرعان ما يستمرّ في حروبه ليظلّ مخلصًا لأحلامه وإيماناته ورؤاه.


هاجس الموت


فمن رؤاه أيضا ينجلي هاجس الموت الّذي يلازم الشّاعر، حتّى يغدو صديقه الّذي لا خشية منه ولا مساومة، إذ يخاطبه بحميميّة ويتجاسر عليه كونه لن يموت روحا قائلا في قصيدته “لا بدّ من عبثٍ في طريق العدم”: “أنا أعرف يا صاحبي/ أنّني سأموت قريبًا/ ولكنّني/ سوف أحيا طويلاً/ بشعرٍ وحبٍّ كبيرين/ بالورد والماء/ والطّائر المستحيل. ويضيف في القصيدة نفسها “وما الموت/ إلّا ملاكٌ/ يقود خطانا إلى/ بيته لنرى فيه/ أسلافنا الرّاحلين:/ أرى جدّتي وهي/ تقطف للجدّ/ تفاحة الكلمات/ وقابيل يسرق/ روح الشّقيق/ ونوحًا على جبل في سفينته/../ أرى الصّحراء/ وموسى/ وألواحه/ والمسيح/ على الماء يمشي/ أرى الهاشميّ النّبيّ/ محمّد في الغار/../ أرى أعدل الخلفاء.. سمِيّي ابن عبد العزيز/ أرى الشّنفرى/ وامرأ القيس/ هذا يحاول ملكًا/ ويسفح للأمر يومًا/ وللخمر أيّامه الباقياتِ/ وذاك يوزّعُ كفّيه بين الصّعاليك.. والبؤساء. هنا يشكّل الموت حالة يَستأنس بها الشّاعر عبر لقائه بالأحبّة والأشخاص والكائنات الرّاحلين الخالدين، مثل جدّيه وقابيل وهابيل، ونوح، وموسى، وأعدل الخلفاء عمر ابن عبد العزيز والمسيح والرّسول، والشّعراء، والآلهة.. ليدوّي صدى صوته عاليًا بحقيقة أنّ رأسه الشّاعر خالدٌ يُبعث دائمًا ولا يموت ولن يموت.. وستستمرّ ضحكاته الشّاسعات تملأ هذا الوجود/ السّرمد!

في الختام، جاءت “رأس الشّاعر” لتطرح تساؤلات عميقة وجوهريّة عن ماهيّة الذّات والعالم وارتباطهما بالزّمان وبالمكان الجوّانيّ والخارجيّ، ولتقف عند نقاط محوريّة في هذا العالم الّذي تحكمه مسلّمات ومرجعيّات من الضّروريّ إعمال مشرط البحث والنّقد فيها.

16