الوحدة المرغوبة في جنوب السودان

الاثنين 2016/05/02

المأساة التي عاشتها دولة جنوب السودان خلال العامين الماضيين، كانت كفيلة بأن تؤدي إلى تفتيت الدولة الوليدة، وتفتح الباب أمام سلسلة جديدة من الحروب الأهلية في الدول المجاورة.

لكن الإصرار الذي بدا في مواقف وتصورات وممارسات قوى إقليمية ودولية مختلفة، أوقف زحف سيناريو تكريس الحرب الأهلية في جنوب السودان، وحال دون امتداده إلى الفناء الخلفي، فقد تعرض الرئيس سلفا كير ونائبه رياك مشار إلى سلسلة كبيرة من الضغوط، والتلويح بتوقيع عقوبات على من يتسبب في عدم توقف القتال.

عندما تمكنت قوى إقليمية ودولية فاعلة من إجبار كير ومشار للتوقيع على اتفاقية السلام في أغسطس الماضي، رجح كثيرون عدم التزام الطرفين بتنفيذها، لأن أجندة كلّ منهما تتعارض مع الآخر، لذلك استغرق البدء في التطبيق نحو ثمانية أشهر، حيث عاد رياك مشار إلى منصبه الذي فصل منه (النائب الأول لرئيس الجمهورية) عقب فترة من التردد والارتباك، وتم تشكيل حكومة انتقالية، الأسبوع الماضي.

عودة رياك مشار وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية والوئام الظاهر، حاليا، في علاقته بالرئيس سلفا كير، سبقتها حزمة من الإجراءات مهّدت الطريق أمام إتمام المصالحة، حتى بدت الخيارات الأخرى محل اعتراض من قوى رئيسية، تهمّها المحافظة على وحدة دولة جنوب السودان، وعدم السماح بدخولها مرحلة تقسيم المقسم.

الحفاظ على الوحدة لم يكن قرارا محليا، بقدر ما هو تعبير عن إرادة خارجية كبيرة، من دول الجوار، التي تخشى انفراط عقدها، بحكم تركيبتها الاجتماعية الهشة، ومن جانب قوى رأت، مبكرا، أن جنوب السودان يجب أن يكون الحد الفاصل بين شمال أفريقيا وجنوبها، ورمانة ميزان في منطقة شرق أفريقيا.

من راقب سير المعارك ومنهج المفاوضات بين الغريمين (سيلفا كير ورياك مشار) كان يلاحظ وجود طاقة وفيرة ورغبة كبيرة، من قبل الوسطاء تحول دون الوصول إلى نقطة اللاعودة، وتم استخدام منهجي الجزرة والعصا مرارا، لمنع كليهما من الوصول إلى درجة العصيان الكامل، بمعنى أنه كانت هناك، على الدوام، نافذة أو طاقة تفتح عند اللزوم ليستخدمها كل من كير أو مشار للقفز منها، والعودة إلى طاولة المفاوضات مرة أخرى.

اللافت في الأسلوب الذي جرى اتباعه، أي الترغيب والترهيب، الحرص على ألا يكون هناك طرف رابح تماما أو خاسر تماما، وجرى اللجوء إلى التنازلات المتبادلة، ومنع تبني منهج المعادلة الصفرية، الذي يجعل من مكاسب طرف خسائر للطرف المقابل، حتى يتسنى الحفاظ على الخيط الرفيع الرابط بين الطرفين.

وهو الخيط الرفيع الذي مكّن الوسطاء من نجاح مهمتهم في مواصلة طريق المحادثات، وعدم السماح لأي جانب بالهروب إلى الأمام أو إلى الخلف، وفي أحلك الظروف وأشدها قتامة كانت تظهر فجأة بارقة أمل، تعيد الكرة إلى مسرح المفاوضات الرئيسي في أديـس أبـابا.

السبب في هذه المسألة يكمن في طرق جميع الأبواب للحفاظ على وحدة البلاد، لأنها تمثل هدفا محوريا لدى جميع اللاعبين، الذين بذلوا جهدا مضنيا لتحقيقه، لأن انفراط جنوب السودان، لن يكون فقط مقدمة لاندلاع حروب أهلية في الدول القريبة، بل سوف يتحول إلى مقدمة للعودة إلى ثارات وصراعات إقليمية وعرة، تنذر بتفسّخ بعض الدول المجاورة.

هذا الاتجاه حتما يضر بالكثير من المصالح الاستراتيجية لعدد من القوى الكبرى، ويجبرها على الاعتراف بفشل المنظومة القديمة، وربما تضطر إلى الدخول في دوامة وعرة من فك وتركيب خرائط، ورسم حدود سياسية، لم يحن بعد وقتها في أفريقيا جنوب الصحراء.

التشبث بوحدة جنوب السودان، كان الهدف الرئيسي أيضا، لعدم مبارحة قياداته مائدة المفاوضات وجذبهم ناحية الحوار والتفاهم، ومنع كل من تسوّل له نفسه الانفصال بالإقليم، أو الأقاليم الغنية بالنفط التي يسيطر عليها، ولجم دولة السودان في الشمال من التفكير في إعادة الهيمنة على نقاط التماس بين البلدين، وكانت أحد أهم الأسباب التي أفضت إلى استمرار الصراع، حتى بعد حصول جنوب السودان على الاستقلال.

خلال فترة الاشتباكات المتقطعة التي اندلعت بين قوات كير ومشار، كانت الخرطوم تتحين الفرصة، وراودتها أحلام السيطرة على منابع النفط الرئيسية التي ذهبت إلى جوبا، لكن التحذيرات التي تلقتها، صراحة أو ضمنا، من قوى دولية، كانت رادعة لها، على أمل أن يتزايد الصراع وينخرط المتصارعان في حرب طويلة.

غير أن توقيع اتفاق سلام بينهما، والدفع باتجاه تطبيقه، أبعد هذه الفكرة عن أعين القيادة السودانية، كما أن انهماكها في حروب مع المتمردين في دارفور، وعناصر الحركة الشعبية – قطاع الشمال، في النيل الأزرق وجنوب كردفان، جعل القوات السودانية مشتتة، ولا تملك رفاهية الدخول في حرب على جبهة ثالثة تضاف إلى الاستنزاف السياسي العام مع قوى المعارضة الشمالية في الخرطوم.

السؤال الذي حكم تصرفات القوى الرئيسية في مفاوضات أديس أبابا، والتي كانت تحرّك المحادثات أمام أو خلف الستار، دار حول البحث عن الآليات الضرورية واللازمة لعدم الوصول إلى نقطة التسليم بدخول جنوب السودان حربا أهلية إلى أمد غير منظور.

وقد استخدمت في ذلك أدوات مختلفة، وصلت إلى درجة توظيف الأبعاد الإنسانية لأهداف سياسية، فعندما اتسع نطاق المجاعة، وذهب الآلاف ضحية الحرب وشرّد آخرون، كانت تحركات القوى الدولية بطيئة، وقاصرة بشكل أساسي على كيفية الاستفادة منها في الضغوط على الطرفين المتصارعين لإجبارهما على عدم الذهاب بعيدا في حربهما الضروس، ومنع الوصول إلى نقطة يصعب السيطرة عليها.

تطبيق اتفاق أديس أبابا على الأرض، يعني بدء جني ثماره واقعيا والابتعاد عن شبح التفتيت حاليا، لكنه لا يعني وقف زحف سيناريو الحرب ثانية، حيث لا تزال المسافات متباعدة، وهناك مجموعة من التفاصيل والعوامل الكامنة كفيلة بتجدد الخلاف السائد والذي لن يتوقف قبل اختفاء أي من الرئيس أو نائبه الأول، فالحرب بينهما أخذت بعدا شخصيا يصعب تجاهله أو التفاهم في ظله.

كاتب مصري

9