الوحدة المزمنة.. مشاعر نفسية معقدة ومتناقضة

يتضمن الشعور بالوحدة عوارض نفسية معقدة متشابكة وقد تكون متناقضة إلى حد ما، فهو ينبع بالأساس من خلال عزلة الإنسان المباشرة عن بقية أفراد المجتمع بمن فيهم مجتمعه الأسري والعائلي أيضا، والأسباب عديدة يتخذ معظمها شكلا قسريا تبعا لطبيعة الظروف الحياتية التي يختار أو يقسر فيها الفرد على العيش بعيدا عن الناس والوطن والأهل والأصحاب مثلا، وهنالك شعور اختياري بالوحدة مرده طبيعة تكوين الفرد الاجتماعي، حيث تكون العزلة خيارا واعيا ومقصودا وهدفا أيضا دون أسباب محددة.
الأربعاء 2015/05/13
الحاجة للتواصل الاجتماعي أمر جوهري في الطبيعة البشرية

تتضمن ردود فعل أغلب الأفراد على الشعور بالوحدة المزعج الذي قد يكون مزمنا عند البعض بتبني سلوكات معينة، فنسبة غير قليلة من السيدات يلجأن إلى التعويض بتناول كميات غير محسوبة من الأطعمة وهي حسب باحثين أميركيين، وسيلة الجسد للتعبير عن مشاعر الوحدة والرغبة في صحبة اجتماعية مفقودة.

وأجرى باحثون في جامعة ولاية أوهايو الأميركية، دراستهم هذه على 42 سيدة من المتطوعات للبحث العلمي، حيث طلب منهن عدم تناول أي وجبة طوال فترة المساء ثم تم تقديم كمية طعام كبيرة في وجبة فطور الصباح، وطلب منهن بيان تصنيف مدى جوعهن قبل وبعد تناول الوجبة، إضافة إلى ذلك أجابت السيدات عن مجموعة من الأسئلة الشخصية التي تتعلق بمشاعر الوحدة والعزلة وعن عدد المرات التي ارتبط فيها شعورهن بالوحدة بسبب تواجدهن منعزلات عن الناس.

وكما هو متوقع، تراجعت نسبة الجوع كثيرا لمعظم السيدات بعد تناول وجبة الفطور، إلا أن الإحساس بالجوع طفا إلى السطح مجددا لدى السيدات اللاتي أشرن إلى شعور مستمر بالوحدة كان يداهمهن أغلب الأوقات.

وأشارت النتائج التي نشرت في دورية “الهورمونات والسلوك” إلى أن الحاجة إلى التواصل الاجتماعي هي أمر جوهري في الطبيعة البشرية، لذلك فإن البعض قد يشعر بجوع (للطعام) كتعويض جسدي لنقص حاد في تطمين هذه الحاجة.

الغناء أو حتى الدندنة بلحن جميل بإمكانه فعل السحر في تخفيف حدة التوتر في المواقف العصيبة

والمثير للاهتمام في هذا النطاق أن الشعور بالوحدة قد يستهدف المرأة النحيفة ويجعلها تشعر بجوع مضاعف، في حين ليس هنالك من تأثير محسوس لهذه المشاعر على زيادة نسبة الجوع لدى البدينات أو اللاتي يعانين من وزن زائد. أما سبب ذلك فهو غير واضح، لكن بعض الباحثين عزوا هذه النتيجة إلى أن السيدات اللاتي يعانين زيادة واضحة في الوزن غير معنيات بترسيخ أواصر العلاقات الاجتماعية ولهذا فالوحدة والعزلة قد لا تسببان لهن كل هذه المشاعر المتضاربة التي تؤدي إلى استنزاف وجبات طعام إضافية لتطمين قلقلهن والتخلص من وحدتهن.

من ناحية أخرى، وفيما يتعلق بالسمنة ذاتها، فإن دراسات سابقة كانت أكدت على أهمية اختيار الصحبة المناسبة عند اللقاءات الخاصة بتناول وجبات الطعام، إذ تبين أن الأفراد يميلون في الغالب إلى محاكاة العادات الغذائية لأصحابهم أو شركائهم على مائدة الطعام، بل ويميلون إلى تقليدهم في كمية ونوعية الطعام المستهلك.

وعموما، فإن الباحثين أكدوا على العلاقة المهمة بين الشهية والسمنة كآثار جانبية للشعور بالوحدة.

كما أظهرت أبحاث سابقة أن الابتعاد عن الأصدقاء والأهل من شأنه أن يتسبب في حدوث قائمة من الأعراض النفسية كالأرق والتوتر والاكتئاب النفسي، إضافة إلى إضعاف جهاز المناعة الأمر الذي يعرض الأفراد للإصابة بأمراض لا حصر لها، كما وصف متخصصون الوحدة وكأنها الظهير الثالث للتدخين وعدم ممارسة الرياضة.

بيد أن هنالك وسائل أخرى غير الطعام لترويض المشاعر النفسية المزعجة كالقلق والتوتر الانفعالي والاكتئاب وغيرها من الأعراض التي تتسبب فيها الصدمات والتجارب المريرة، فضلا عن محاولة النفاد من عصف الأحداث اليومية التي تحيطنا وتقبض على أعناقنا حتى تكاد تخنقنا.

بعض الحلول والوسائل غير التقليدية يمكنها أن تخفف من حدة التوتر والضغط النفسي بطريقة غير متوقعة

وفي هذا السياق ترى شارلون واتس، وهي خبيرة تغذية ومعلمة يوغا ومؤلفة كتاب “كيف نتخلص من التوتر”، بأن بعض الحلول والوسائل غير التقليدية يمكنها أن تخفف من حدة التوتر والضغط النفسي بطريقة غير متوقعة.

وأكدت أن الغناء أو حتى الدندنة بلحن جميل بإمكانه فعل السحر في تخفيف حدة التوتر في المواقف العصيبة، في حين أن استخدام الماء الفاتر قد يجدي نفعا سواء أكان خيارا لحمام منعش ودافئ أو حتى مقتصرا على غسل اليدين مباشرة لتخفيف شدة الضغط العصبي في مواقف معينة فربما يكون له فعل المهدئ للجهاز العصبي.

من ناحية أخرى، تنصح واتس بمحاولة جعل ملامح الوجه قبيحة قدر الإمكان، فبعض التعبيرات المضحكة التي تحرّك عضلات الوجه باتجاهات مختلفة كتقطيب الجبين وتكوير الشفتين وتشكيل الوجنتين بشكل مضحك وثم إطلاق الملامح إلى أسفل بمساندة الذقن وإرجاعها إلى وضعها الأصلي، تلعب دورا مهما في استرخاء الملامح ومن ثم استرخاء الأعصاب وتفكيك الشد العصبي والنفسي.

وخلافا لتناول كميات كبيرة من الطعام في حالات الوحدة أو التوتر الشديد، فإن عملية المضغ في حد ذاتها تؤدي الدور ذاته لكن دون التعرض لاحتمال زيادة الوزن بتناول كميات غير محسوبة وغير صحية من الأطعمة، فعملية مضغ بعض أنواع الخضراوات تستنفد وقتا أطول من المعتاد الأمر الذي يتيح لعضلات الوجه والفك الأسفل خاصة بالشد والاسترخاء تباعا.

كما أن الارتباط بين تناول الطعام والجهازين العصبي والهضمي من شأنه أن يحقق نتائج جيدة فيما يتعلق بتخفيف التوتر والقلق، ولكن هذه المرة دون التعرض إلى مشكلة زيادة الوزن.

21