الوحدة المصرفية نواة لتشكيل الولايات المتحدة الأوروبية

الخميس 2013/10/17

أصبحت الوحدة المصرفية الأوروبية خلال اليومين الماضيين أمرا حتميا، ولم تعد الأصوات المعارضة تنادي بأكثر من التشدد في شروط اتمامها. وستتعالى منذ اليوم الأصوات المطالبة بالانتقال للحديث عن قيام الكيان السياسي الفيدرالي الأوروبي، الذي سيغير وجه العالم.

لا أحد يتجاهل أن "الشيطان يكمن في التفاصيل" كما يقول المثل الشائع، وأن أوروبا مازال أمامها الكثير من العمل لوضع تلك التفاصيل، لكن حتى أشرس المعارضين، وعلى رأسهم ألمانيا، لم يعودوا يفكرون بالوقوف أمام العجلات المتسارعة للوحدة المصرفية.

المسؤولون الأوروبيون يعرفون أن السلطات المالية هي أكبر ما تبقى من رموز السيادة الوطنية في بلدانهم، بعد أن اندمجت سلطاتهم الدفاعية والعسكرية منذ زمن بعيد، ضمن حلف شمال الأطلسي. وهم يعرفون أن الاتحاد المصرفي سيعني في نهاية المطاف قيام كيان فيدرالي أوروبي، سيكون بمثابة قيام الولايات المتحدة الأوروبية.

وحتى قبل ما جرى هذا الأسبوع من تحديد لملامح الاتحاد المصرفي، صدرت الكثير من التصريحات التي تنادي بالانتقال لمناقشة قيام اتحاد فيدرالي أوروبي.

أن يتوسل الفقراء الاتحاد مع الاغنياء أمر منطقي ومتوقع، لكن أن تأتي النداءات من الدول الغنية ومن مسؤولين في ألمانيا وفرنسا فذلك أمر آخر.

فالحديث لم يصدر عن زعماء الدول المتعثرة مثل اليونان وايطاليا وإسبانيا والبرتغال وإيرلندا وقبرص فقط.

بل امتد الى رئيس المفوضية الأوروبية خوسيه مانويل باروسو التي تحدث صراحة في البرلمان الأوروبي بداية العام الحالي، عن ضرورة البدء بمناقشة قيام الاتحاد الفيدرالي الأوروبي.

بل إنه امتد الى بعض المسؤولين الفرنسيين والألمان الذين أدركوا أن عليهم الانتقال الى الحديث عن التفاصيل، بدل الوقوف بوجه الموجة العاتية، كي تقوم الوحدة المصرفية ومن بعدها الوحدة الفيدرالية على أسس متينة. جوهر الحديث عن الاتحاد المصرفي يتعلق بانتقال الكثير من السلطات المالية من الدول الأعضاء الى المؤسسات الأوروبية، وأهمها البنك المركزي الأوروبية وآلية الاستقرار المالي.

وستقوم تلك المؤسسات بالإشراف المباشر على المصارف ليس فقط في دول منطقة اليورو (17 بلدا) بل وفي عموم منطقة الاتحاد الأوروبي الذي يضم 28 بلدا. وستتولى وضع الضوابط لعمل تلك المصارف وفرض القيود والقواعد، لتتولى بعد ذلك مهمة إنقاذ المصارف المتعثرة مباشرة دون المرور بالسلطات المحلية للدول الأعضاء.

كما تصاعد الحديث عن إصدار السندات الأوروبية التي ستضع جميع الالتزامات والديون الأوروبية في صندوق واحد، ليصعب بعد ذلك مقارعة ذلك الكيان العملاق والمضاربة على سندات الدول المتعثرة، التي سيتم في نهاية المطاف تحويلها الى سندات أوروبية.

خطوات التقارب المالي الأوروبي أصبحت النافذة الوحيدة للهروب الى الأمام، بعد أن أصبحت العودة الى الماضي مستحيلة، وأصبح المزيد من التقارب والاندماج هو السبيل الوحيد للحيلولة دون تعرض أوروبا مجددا الى أزمات ديون.

تجسيد الاشراف الموحد على المصارف في منطقة اليورو، عقب موافقة وزراء المالية الاوروبيين في اليومين الماضيين، كان حتميا واقتصر النقاش فيه على كيفية تنفيذه، وهو يأتي بعد شهر من مصادقة البرلمان الاوروبي.

ويرى المحللون أن التقدم بالاتحاد المصرفي والتقارب السياسي سيجعل الكيان أكثر قدرة على استيعاب مزيد من الأعضاء دون مواجهة أزمات جديدة لأن الضوابط سيتم فرضها قبل ضم أي من البلدان الجديدة.

أخيرا يصعب وصف التأثير الكبير لما يحدث في أوروبا في المستقبل على خارطة التوازنات العالمية، خاصة بعد اهتزاز الثقة بالعملة الأميركية بعد أزمة سقف الدين العام، وميل الكثير من البلدان لتنويع احتياطاتها بعيدا عن السندات والعملة الأميركية. وسيكون الاتحاد الأوروبي واليورو حتما من أكبر المستفيدين.

11