الوحدة حالة اجتماعية تقود إلى الاكتئاب والفشل العاطفي

تصيب الوحدة الإنسان بالكبت والاكتئاب، فهي حالة عقلية مؤلمة تشعر الشخص في أعماقه بأنه يفتقد إلى العلاقات مع الآخرين، ويرافق هذه الحالة الشعور بالحزن والانعزال والقلق والانزعاج، ونتيجة لذلك تتولد رغبة قوية للحصول على اهتمام وتقدير الآخرين، ممّا يؤدي إلى الفشل العاطفي.
الجمعة 2016/04/08
غربة لانهائية

الكثير منا لا يعرف المعنى الحقيقي للوحدة، ويتخيل بأن مجرد جلوسه بمفرده لعدة ساعات فهو بذلك وحيد، فمشاعر الوحدة عادة ما تكون مجرد وهم تمت صناعته وتغذيته في العقل، فكثيرا ما يعاني أشخاص من الوحدة وهم وسط أحبائهم وأصدقائهم، وهذا يعني أن لكل شخص مفهومه الخاص للوحدة، فهناك من يرى الوحدة في عدم فهم الناس له، وآخرون يرونها في البعد عن الوطن، والبعض الآخرين في الجلوس بمفرده، وهنا عند وضع تعريف للوحدة يمكن الوصول إلى حقيقتها والتعامل معها بالطريقة الصحيحة.

وفي هذا السياق أكدت دراسة اجتماعية برازيلية، أصدرها قسم العلوم الإنسانية التابع لجامعة أوسب في مدينة ساو باولو، أن هناك حقيقة لا نستطيع إنكارها، وهي أنه ليس بمقدور الكثيرات التعامل مع الوحدة، فلا بد من المشاركة مع الآخرين في الحديث أو العلاقات بكل أنواعها، إن كانت علاقات رومانسية أو غير رومانسية، كما أن هناك حقيقة أخرى لا يمكن إنكارها، وهي أن الوحدة يمكن أن تكون خيارا طوعيا لبعض الناس الذين لا يقدرون على التعامل مع الآخرين، وهنا تكون الآية معكوسة، لأن هذا الشخص هو من اختار أن يعيش منعزلا عن العالم، وبعيدا عن الناس والاختلاطات.

وأجرت الدراسة استطلاعا حول سؤال “هل تحب الخروج وحيدا للاستمتاع بوقتك؟” وجاءت الإجابة، أن 45 بالمئة لا يحبون الخروج بمفردهم، و30 بالمئة لا يحبون حتى تناول الغذاء بمفردهم، و25 بالمئة فقط هم من لديهم بعض الأوقات التي يفضلون فيها التواجد بمفردهم.

كما تم أيضا طرح سؤال، “كيف أصبحت بعد خروجك من آخر قصة عاطفية؟” لمعرفة ما إذا كان الشخص الذي خرج من قصة عاطفية قد بدأ على الفور في البحث عن أخرى جديدة، أم أنه ظل وحيدا، أو في ما إذا سيطر الحزن عليه، والوقت الذي احتاجه للخروج من أزمته، أو في ما إذا كان قد شعر بالسعادة بعد خروجه من قصة كان محكوما عليها بالفشل.

وأشارت الدراسة إلى أن أجوبة المشاركات في استطلاع الرأي حول الموضوع تفاوتت على النحو التالي، حيث أن 49 بالمئة من الذين خرجوا من قصص عاطفية شعروا بحزن شديد، واستغرق بعضهم أعواما للعودة إلى طبيعتهم، وكانت الوحدة بحسب آرائهم أفضل بكثير من التفكير في مشاركة أحد في الحياة، بينما شعر نحو 26 بالمئة بالارتياح لانتهاء قصة كان محكوما عليها بالفشل، أما نحو 25 بالمئة فقد باشروا على الفور البحث عن قصة عاطفية جديدة، نظرا لعدم قدرتهم على التعامل مع الوحدة.

المصابون بالوحدة يقضون عادة معظم أوقاتهم في الأكل أو النوم أو البكاء، أو القيام بأشياء غير مهمة

ومن جانبه يقول الدكتور عادل عبدالله، استشاري الطب النفسي في مصر “هناك ثلاثة أنواع من الوحدة يشعر بها الإنسان، أول هذه الأنواع هو الشعور العاطفي بالوحدة، وهو الإحساس بفقدان أو نقص العلاقة النفسية الوطيدة مع شخص آخر ولا يتعافى إلا بتطوير علاقات عميقة مع الآخرين، والنوع الثاني هو الشعور الاجتماعي بالوحدة، ويتمثل في الإحساس بالقلق والفراغ، وفقدان الهدف والإحساس بالعزلة، وأن الشخص على هامش الحياة، وهذه النوعية من الأشخاص الذين لديهم هذه المشاعر يحتاجون إلى تنمية مهارة العلاقات مع الآخرين بدلا من علاقة عميقة مع صديق معين.

أما النوع الثالث والأخير فهو الشعور الوجودي بالوحدة، وهو إحساس بأن الحياة لا معنى لها ولا هدف لها، وهذا الشعور يعانيه كل شخص منفصل عن الله، ويحتاج هذا النوع من الأشخاص إلى علاقة حقيقية مع الله، ويفضل وجوده داخل أو وسط مجموعة من المؤمنين. ويضيف عبدالله أن “الاستسلام لمشاعر الوحدة هو أكبر خطأ يمكن أن يزيد من مشاعر الوحدة السلبية، ولذلك فإن هناك عدة وسائل للتخلص من الوحدة، مثل القراءة، أو الخروج مع الأصدقاء، أو الجلوس على الإنترنت، أو الانخراط في الأعمال المجتمعية والخيرية، أو ممارسة الرياضة، فكل هذه الأمور قادرة على التخلص من الوحدة شرط أن يتم استغلالها بشكل جيد”.

ويؤكد عبدالله أن هناك الكثير من الأماكن التي تريد أشخاصا متطوعين كالجمعيات الخيرية وغيرها، حيث يتوجب على من يشعر بالوحدة البحث عن مثل تلك الجمعيات التي تقدم الكثير للأفراد، “فثقافة التطوع ستزيل عنك عبء الشعور بالوحدة، كما أنها ستشغل وقت فراغك، ويمكنك من خلالها التعرف على الكثير من الأشخاص بالإضافة إلى مساعدة الآخرين والتعرف على أصدقاء جدد، كل هذه الأشياء كفيلة بأن تخرج أي شخص من الوحدة التي يشعر بها”.

أما عبير صلاح، أستاذة علم النفس والاجتماع، فتشير إلى أن المصابين بالوحدة يقضون عادة معظم أوقاتهم في الأكل أو النوم أو البكاء أو القيام بأشياء غير مهمة، ويعاني المصابون بالوحدة من انخفاض التقدير الذاتي لأنفسهم لأنهم يعتقدون أن الآخرين يرفضونهم، ويزداد قلق المصابين بالوحدة وتحرّجهم من أنفسهم ويشعرون بأنهم محل تقييم ممّن حولهم ومن أفراد أسرتهم، ومدرسيهم وزملائهم في الفصل وأقرانهم.

وتضيف “يحاول المصابون بالوحدة اجتناب الاختلاط بالناس والابتعاد عن المواقف الجديدة، ويضعون حدودا تقيّد أسلوب حياتهم، وينظرون إلى أنفسهم نظرة سلبية، وينتقدون أنفسهم بشدة، كما أن الوحدة ترتبط أيضا بالاكتئاب والتأثير السلبي على عملية التعلم وعلى الذاكرة”.

وتابعت “الوحدة سلاح ذو حدين، فكما أنها من الممكن أن تدمّر حياة صاحبها إذا أساء التعامل معها، من الممكن أيضا أن تفتح نوافذ من النور والحب والتفاؤل في حياة من عرف كيف يتعامل معها ويستفيد منها”.

21