الوراثة

الأحد 2016/01/17

ما كنت أتصوّر أن الجينات بهذه السيطرة، وأنّها تتماثل وتنساب في عروقنا ودمائنا لنجدها أمامنا أشخاصا حقيقيين، الجين الوراثي كنت أعتبره دائما وأنا في المرحلة الثانوية نظرية فاشلة ليوهان مندل العالم النمساوي المتوفى 1884، الذي وضع معادلات الوراثة مستنبطا إياها من بذور البازلاء.

ولأنّي لم أحبّ يوما البازلاء أو “البسلة” كما نسميها في مصر، فقد كنت أرسب دائما في مادة الوراثة، وعلى ما أذكر تقوم نظريته الوراثية على انتصار عنصر سائد على عنصر متنحّ، مثلا إذا تزوجت زنجية رجلا أبيض يكون ابنهما أسود اللون غالبا، أما إذا تزوج الأبيض زنجية، فربما يكون للأنجال صفات مشتركة، كأن تجد أحدهما أسمر اللون وله عينان خضراوان أو بنت سمراء وشعرها أشقر.

وظللت إلى وقت قريب أتصوّر أن الجينات مقتصرة على الصفات الجسدية ولون العينين والشعر، لكن الزمن تطور وأصبحت الجينات سلوكية ونفسية، تحولت إلى عادات وتقاليد أيضا.

شيئا فشيئا بدأت أسترجع ذكرياتي مع والدي المتوفى يوم وقفة عرفات عام 1978، لم أكن أشبهه شكلا، إلاّ في الأنف الروماني وطول القامة، أما هو فكان وسيما إلى درجة لافتة للنظر، ورثت عنه أمراضه الجسدية كضغط الدم وخفقان القلب، لكنّي لم أرث تديّنه وورعه وقربه من الله وإيمانه بالقضاء والقدر، والأهم تلك القناعة الغريبة والسلام مع النفس الذي يغلف سلوكه الاجتماعي كله.

37 عاما مرت على رحيله ومازلت أبكيه وأفتقده، أحن إلى مناوشاتي معه وخلافتنا واختلافاتنا، الفجوة بيننا كانت 38 عاما وهي تقريبا نفس فارق العمر مع ابني الوحيد، وتتضاءل مع شقيقته إلى 35 عاما.

بلغت من العمر عتيّا، وأذكر كيف ظل وهو كهل سندي وعوني، وأنا الشاب اليافع القوي المزهو بعضلاته ومظهره، والدي استمر يؤدي دوره في النصح والإرشاد والتوجيه، وقابلت هذا دائما بالتهور والاندفاع والتمرد. قال لي يوما “لا ترفض كل ما أقوله لك، اعتبر نفسك سيارة 100 حصان وأنا الفرامل فيها، دوني سترتكب حوادث”.

ودائما كنت أسخر من هذا الحرص المبالغ فيه لدرجة أنني قلت له يوما “أخرجني من تلك الصوبة الزجاجية التي تحفظني فيها”، أوجعته دون أن أدري..

انهرت وهو على فراش المرض يقول لي “خلاص يا سيدي، الصوبة انكسرت.. هيص”.

كم أفتقدك أيها الأب العظيم، وأعود للصفات الوراثية، فأقول إن ابني لم يرث مظهري في أيّ شيء، ومع ذلك فهو أعنف مني في شبابي تمردا ورفضا للنصائح والتوجيهات.

والصفات الوراثية -كما اكتشفت- تتغير من جيل إلى جيل، ويظهر ذلك في لغة الحوار، فمثلا كنت أقول لأبي دعني أتصرف وأتحمل نتيجة خطئي، أما ابني، فيقول ليس ضروريا أن يكون رأيك دائما صوابا.

أحاوره محاولا إقناعه بأن خبرتي بالحياة والناس والبشر أكبر منه، لكنّه يرى أنني من زمن الأبيض والأسود وتعلمت الكمبيوتر في الخمسين من عمري وأتقنه هو في الثانية عشرة.

هو يزعم أنني من زمن الكتب الصفراء وحكايات ألف ليلة وليلة، ولم أعرف “السوشيال ميديا” إلاّ حديثا، أحاول إفهامه أن الدنيا ليست فيسبوك وتويتر، ولكن تعاملات وخبرات، نجاح وفشل، سعادة ودموع، فرح وحزن..

ينظر إليّ قائلا “شوف يا والدي، ربما تكون أرجح عقلا وأوسع ثقافة وأعمق حكمة، ولكنك لم تولد هكذا، اتركني أتعلم طالما لا أرتكب خطأ أو معصية”.

ويبدو أن علم الوراثة الذي كنت أرسب فيه نسي أن يحدّد لنا عمرا يصبح الوالد فيه “غير مسؤول” عن ابنه، طالما كبر وتزوج وكوّن أسرة.

هناك أشياء لم يذكرها مندل ولا تخضع لقوانينه وأهمها القلب، والقلب له أحكام كما نقول، وخصوصا قلوب الآباء والأمهات، لن نتوقف عن القلق عليهم أبدا، مهما رفضوا وتمردوا!

24