الوراثة.. المتهم الأول في تكوين السلوك العدواني للطفل

الجمعة 2014/01/24
تستمر النزعات العدوانية عند الطفل بصورة دائمة لتشكل ملامح شخصيته

يعتبر العديد من الآباء أنفسهم مسؤولين عن سلوك أطفالهم السيئ الذي يتسم بالعنف في أحيان كثيرة، بسبب أساليب تربيتهم الخاطئة، لذلك تراهم في كل مناسبة عرضة لنوبات تأنيب الضمير وجلد الذات بسبب تعاظم شعورهم بالتقصير تجاه أبنائهم، خاصة إذا وجدوا في بيئتهم الاجتماعية المحيطة، صورا مشرقة لصغار أشبه بملائكة يتحلون بسلوك مثالي يظللهم بالهدوء والسكينة طوال الوقت.

أثبت متخصصون أن نوبات الغضب والعنف التي تجتاح الصغار في بعض الحالات، تعود إلى تكوينهم الخلقي وجيناتهم الوراثية وليس بسبب الإهمال في تربيتهم. وكان متخصصون قد أثبتوا في مجموعة أبحاث لهم على التوائم المتطابقة وغير المتطابقة، بأن الجينات الوراثية تلعب أدوارا مهمة في تكوين السلوك الإنساني أكثر بكثير مما كان يعتقد في السابق.

وكان الاعتقاد السائد على مدار الـ 25 عاما الماضية، بأن السلوك العدواني لدى الصغار يتم اكتسابه من خلال تقليد سلوك الكبار وذلك بوجود قدوة سيئة أمامهم، حيث قررت الدراسات السابقة في هذا المجال بأن السلوك العدواني يبدأ في مرحلة الطفولة المبكرة ليصل إلى قمته في الفترة الواقعة بين سن الثانية والرابعة من عمر الطفل.

إلا أن باحثين من جامعة مونتريال الكندية، وجدوا أن هنالك اختلافات كثيرة في ما يتعلق بوتيرة ومعدل نوبات الغضب تبعا لطبيعة التفاعل بين العوامل الوراثية والبيئية مع مرور الزمن، حيث ثبت ضلوع هذين العاملين بصورة متداخلة لتشكيل السلوك العدواني مع تفوق العامل الوراثي.

الناس الذين يميلون إلى النوم والاستيقاظ متأخرا لديهم طفرات في جيناتهم تحدد مدى استعدادهم للنوم والاستيقاظ

وأثبتت الأبحاث الوراثية أن الجينات تسهم بصورة كبيرة في تشكيل هذا السلوك، ومع ذلك يرى الدكتور إريك لاكورس من جامعة مونتريال، أن هذا الدليل لا يعني أن السلوك الذي تشكله الجينات في وقت مبكر من عمر الإنسان غير قابل للتعديل أو التغيير.

وأوضح الدكتور لاكورس أن العوامل الوراثية يمكنها أن تتفاعل دائما مع متغيرات البيئة، لتشكيل السلوك الإنساني وهذا يعني أن عدوانية الأطفال التي تكون في أساسها سمات وراثية ولادية، يمكنها أن تتحسن وتتشذب مع التقدم في العمر بتفاعلها مع مؤثرات بيئية محيطة بالطفل يمكنها أن تطور سلوكا مقبولا في وقت لاحق.

ورصدت في الدراسة التي ظهرت في دورية الطب النفسي، سلوك عدد من التوائم الذين ولدوا بين العامين 1995 و1998 في مونتريال – كندا، حيث كلفت الأمهات برصد مدى تكرار السلوك العدواني لأطفالهم التوائم مثل الضرب، العض والركل على مدى الشهور المبكرة من أعمارهم ما بين 20 و50 شهرا من عمر الطفل. وأكدت النتائج على أن العامل الجيني أوضح جزءا كبيرا من الفروق الفردية في ما يتعلق بالسلوك العدواني، حيث ظهرت هذه النتائج بشكل متعارض تماما مع نتائج العديد من الدراسات السابقة التي تركزت على العوامل الأسرية والبيئة الاجتماعية باعتبارها سببا مباشرا في تكوين السلوك العدواني في سن ما قبل المدرسة.

وعلى ضوء هذه الحقيقة، يؤكد الدكتور لاكورس على أهمية التعامل مع السلوك العدواني للصغار بحذر شديد، لأن معالجة عوارض هذا السلوك بشكل غير موضوعي أو مقابلته بسلوك مماثل قد يؤدي إلى تعزيزه، حيث تستمر النزعات العدوانية عند الطفل بصورة دائمة لتشكل ملامح شخصيته في المستقبل. في إطار مشابه، يعد بعض أولياء الأمور رفض الصغار الانقياد للنصائح واتباع الروتين اليومي في أوقات نومهم، شكلا آخر من أشكال السلوك العدواني يتبناه الطفل للتمرد على القوانين الأسرية.

وفي دراسة حديثة، تبين ضلوع الجينات الوراثية مرة أخرى في تبني هذا النوع من السلوك الذي يعزز عامل التمرد؛ حيث أن سلوك الذهاب إلى النوم مبكررا أو تفضيل قضاء فترات طويلة من الليل في السهر لم يعد خيارا شخصيا، بعد أن كشفت الأبحاث أن الجينات هي من يقرر ذلك.

التعامل مع السلوك العدواني للصغار بحذر شديد ضروري لأن معالجة عوارض هذا السلوك بشكل غير موضوعي قد يؤدي إلى تعزيزه

يؤكد الدكتور لويس بتاسك وهو اختصاصي علم الوراثة العصبية في جامعة كاليفورنا الأميركية، على أن موعد ذهابنا إلى السرير في الليل لا يعتمد على رغبة والدينا في ضرورة النوم مبكرا، وإنما يعتمد بشكل كبير على طبيعة الجينات الوراثية التي زودونا بها لحظة ولادتنا!.. الساعة البيولوجية الداخلية والتي تتكون من آلاف الخلايا العصبية، التي تقع في منطقة تحت المهاد أقصى قاعدة الدماغ، هي التي تقودنا على مدار الساعة وهي المسؤول الأول عن كل وظائف الجسم، ابتداء من إفراز الهورمونات وصولا إلى تنظيم درجة حرارة الجسم وغيرها من الوظائف الحيوية، وبالتالي هي التي تحدد أنماط نومنا”.

وتوصلت الدراسة إلى أن الناس الذين يميلون إلى النوم والاستيقاظ متأخرا لديهم طفرات مختلفة في جيناتهم الوراثية، تحدد مدى استعدادهم للنوم والاستيقاظ وبالتالي فهم مرشحون أكثر من غيرهم لعصيان الأوامر التي تتعلق بنظام النوم في سن الطفولة.

من جانبه، أكد الدكتور ديريك جاين دايك وهو رئيس مركز أبحاث النوم في جامعة سري، على امتلاك الفرد ساعة بيولوجية سريعة تدفعه في اتجاه إنجاز أعماله اليومية بصورة أسرع، ولذا فهي تخبره بضرورة الاستيقاظ مبكرا. في حين أن الأشخاص الذين يمتلكون ساعة بيولوجية بطيئة، يميلون إلى إنجاز أعمالهم في وقت متأخر من اليوم ولذلك فإن النداء البيولوجي الداخلي يحرضهم على الكسل وعدم الاستيقاظ باكرا.

21