الوراقة النسخة التراثية العربية من بواكير تقنيات الكتابة والتعلم

الاثنين 2014/09/29
الوراقون يصنعون الأحبار بأنفسهم ويختارون أنواع الورق

الرياض- عرفت مهنة الوراقة في مختلف أرجاء الجزيرة العربية منذ قرون، أما منطقة نجد بالمملكة العربية السعودية، فقد تواجدت فيها مع بداية القرن التاسع هجري بسبب نشاط الحركة العلمية آنذاك خاصة في العلم الشرعي، وما صاحبها من حركة فاعلة في نسخ الكُتب التي سهّلت تداول العلوم والمعارف بين طلبة العلم والعلماء، وعُدّت في ذلك الوقت من أهم الروافد الملازمة لصناعة الكتب قبل ظهور الطباعة في القرن الخامس عشر ميلاديا.

حمل العديد من الوراقين في نجد أقلامهم متنقلين في مختلف مناطق نجد والجزيرة العربية، بحثا عن نسخ الكتب التي تُطلب من المهتمين بالعلم، وذلك بمقابل مادي أو ابتغاء للمساهمة في نشر العلم والمعرفة، وتجاوز عددهم ما بين القرن التاسع إلى القرن الثالث عشر هجريا (150 وراقًا)، وفي القرن الرابع عشر بلغ عددهم (82 وراقًا)، وقبل قيام الدولة السعودية واصلت مهنة الوراقة انتشارها، وازدادت أكثر خلال العهد السعودي الذي صاحبه اتساع الدعوة الإصلاحية.

ومهنة “الوراقة “أوجدت الإحساس الفني عند الوراق، لا سيما فيما يتعلق “بالخط العربي” وتجويده، حتى أصبح مفهوم حسن الخط من الركائز الأساسية في عمل الوراق، الأمر الذي أفرز أنواعا جديدة من الخطوط العربية، رافقت الوراقين في مهنتهم.

وفي هذا السياق، يقول أستاذ الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الوليد بن عبدالرحمن آل فريان، إن الكتابة عن الوراقة في منطقة نجد، كتابة عن تاريخ المملكة ومسيرتها الثقافية الحافلة، وأنشطتها العلمية والتعليمية، وإسهاماتها الفاعلة في خدمة القيم الإسلامية، والحضارة الإنسانية.

وأوضح آل فريان أن الوراقة في منطقة نجد، شهدت توسعا كبيرا في القرن الرابع عشر، بسبب كثرة المتعلمين ووفرة وسائل الكتابة، وتوجه البلاد في تلك الحقبة نحو الوحدة والاستقرار ولم يكن وصول الكتب المطبوعة من البلدان المجاورة في مستهل القرن حائلا بين طلاب العلم والكتابة، بيد أن اكتمال الوحدة، وكثرة المطابع في البلاد الإسلامية وتوافد الكتب المطبوعة أدى إلى اضمحلال الوراقة اليدوية.

العلوم الشرعية انتشرت بفضل مهنة الوراقة في الجزيرة العربية

وأشار في كتابه “الوراقة في منطقة نجد” إلى أن أنواع الورق المستخدم حينها يتفاوت حسب ما تتمتع به الورقة من نقاء ومتانة وليونة وحسن صقل وتناسبٍ في الأطراف ونعومة في الحاشية، وذكر أن من أشهر أنواع الورق: البغدادي، والشامي، والمصري، والفوّي، والمغربي، والإفرنجي، مبيّنا أنه في نجد لم تكن مواد صناعة الورق من الأشجار متوافرة بكثرة تسمح بإنتاجه، ما جعل سبب استيراده من الخارج أيسر وأقل تكلفة.

ويستخدم الورّاقون العديد من الأحبار، إلا أن أشهرها حسبما ذكر الوليد آل فريان (الحِبْر) الذي يعد أشدّها ثبوتًا وأكثرها دوامًا على الورق، إضافة إلى المداد، والزاج، والنِّقس، وأجودها ما صنع من العفص مع الصمغ والزاج والماء، وأدناها ما صنع من الأرطى مع الصمغ والزاج والماء، وأشهر ألوان الأحبار: الأسود القاتم، والأحمر، والأسود المائل إلى الخضرة، والأصفر.

واعتمد الوراقون في نجد على أنفسهم في صناعة الأحبار التي تعد من أيسر الصناعات وذلك لتوفر موادها وسهولة تركيبها. ويحفظ الحبر من خلال الاختيار الأمثل للمواد الداخلة في صناعته، وتقليل مدة التخزين للأحبار قدر الإمكان بحيث لا تزيد عن سنة من تاريخ الإنتاج، وحفظ الأحبار في أوعية محكمة الإغلاق، واتخاذ الدواة أو المحبرة للاستمداد منها عند الكتابة.

كما استخدموا عدة أنواع من الأقلام للكتابة أشهرها: المحرف، والقائم، والمصوب، والمستوي، إضافة إلى أنواع الخطوط التي يمكن القول إنها ترجع إلى جنسين هما المبسوط والمستدير ومنها تتركب جميع الخطوط وأشهرها الكوفي والثلث والنسخ والتعليق والرقعة وأكثر هذه الأنواع من الخطوط استخداما في منطقة نجد هما النسخ والرقعة.

وحفظ التاريخ أسماء عدة ممّن عرفوا بكثرة النسخ منهم أبوبكر الدقاق المعروف بابن الخاضبة المتوفي عام 439هـ، وعلي البغدادي المتوفي عام 460هـ، ومحمد طاهر المقدسي المتوفي عام 507هـ، وعلي بن عقيل البغدادي المتوفي عام 513هـ، ومحمود بن الحسين الأصفهاني المتوفي 548هـ، وأحمد بن عبدالدائم المقدسي المتوفي 668هـ.

وفي عام 1315هـ كان الوراقون في “روضة سدير” يستخدمون طاولة خشبية للكتابة عليها، ومنهم الشيخ إبراهيم بن عبدالعزيز السويح الذي كتب على طاولته الكثير من المخطوطات، والرسائل الخاصة إلى الملك عبدالعزيز آل سعود، وتميّزت هذه الطاولة بخشبها الفاخر الذي جلب من الهند، وكان يستخدمها الوراقون في منطقة نجد آنذاك لكتابة القصائد، والمخطوطات، والكتب العلمية الفقهية، وتضم معها المحبرة، وأقلام الخشب والريشة، فيما كان الشيخ إبراهيم السويح يستعين بها حتى توفي عام 1369هـ، وقد أهدتها أسرته إلى دارة الملك عبدالعزيز للاحتفاظ بها كمعلمٍ تاريخي بارز في نشاط حركة الثقافة بنجد.

12