الوراقة والوراقون في حواضر المسلمين: حضارة الكتاب

الاثنين 2015/05/18
الوراقون كانوا عمود حفظ التراث الاسلامي

عمان - تباع الكتب في العالم العربي في الاماكن العامة منذ مئات السنين فيما كان يعرف بالورق. وازدهرت الكتابة ومن ثمة طباعة الكتب في بغداد إبان العصر العباسي الذي شهد تطورا فكريا غير مسبوق.

لكن الورق بدأ، منذ القرن الثاني الهجري، يتحول إلى كتب تباع في أسواق خاصة، عُرفت بالوراقين، أو أسواق الوراقة، وجرى التنافس على اقتناء الكتب، وكثر النساخون، بل صاروا يعملون في المكتبات الخاصة، التي يتفاخر بها أصحابها، إلى جانب ما يمكن وصفه بالمكتبات العامة، ولسد هذه الحاجة أخذ الورق يصنع في المدن، بعد أن كان يُجلب من الصين والهند، وهو على أنواع وحسب الغرض والحاجة.

لا نعلم متى تحولت الكتابة من الرُقم الطينية إلى صفحات الورق، فقد كان هذا الانتقال طفرة حضارية، لا تقل عن الطفرة من الكتابة على الورق إلى الكتابة على الشاشات الضوئية، لكن ما هو مؤكد أن الكاغد، وهو الورق، كان معروفاً مبكراً في بغداد ثم في الأندلس، وربما استخدم في بداية الأمر للرسائل، التي لا تتعدى الصفحة أو الصفحتين، وفي الدواوين الإدارية والمالية، أما عن الكتب فلم يخل منها العهد الأموي، والدليل على ذلك لم تترك لنا تلك الفترة، ولا العهد النبوي ولا الراشدي رقما طينية، مثلما كانت عند السومريين والبابليين، فالطين أحفظ، على مرور الأزمان، من الورق، وهذا ما نراه في المكتبات الكبرى حيث تستخدم درجات حرارة محددة في خزائن الكتب، كي لا تتلف بالحرارة أو البرودة أو الرطوبة، بينما الطين يتقوى كلما طال به الزَّمن.

مر الكتاب الطيني أو الحجري (نقش على الحجر) أو الجلدي (الكتابة على الجلود) بأزمة وانحسار

كان ببغداد سوق خاص يسمى سوق الوراقة، وقد أشار أبو حيان التوحيدي، وهو من أعلام القرنيين الرابع والخامس الهجريين، إلى أن إخوان الصفا قد بثوا رسائلهم في الوراقين، ومعنى الوراقين هنا سوق الكتب.

وأبرز أصحاب الفهارس كان صاحب كتاب "الفهرست" وكان وراقاً، وأن العديد من رجالات العلم والتاريخ كانوا يُلقبون بمهنة الوراقة، فلان الوراق أو ابن الوراق.

كذلك كانت الأندلس حاضرة من حواضر الوراق، والتفاخر بالمكتبات، ومعلوم أن الكتاب آنذاك، قبل ظهور الطباعة كان يُكاثر بنسخ اليد، ومع ذلك كانت تنسخ منه أعداد كثيرة، وعلى وجه الخصوص الكتب ذائعة الصيت، فترى كل مكتبة لها نساخها، وهناك من الكُتاب والأدباء المهمين مَن عملوا في النساخة، وعند أُناس يرون أنفسهم أكثر علواً منهم، وأبرز هؤلاء كان أبا حسان التوحيدي، الذي عمل ناسخاً عن أكثر من وزير، كالصاحب بن عباد وابن العميد، مع أنه صاحب المؤلفات العظام في الأدب العربي، ولشعوره بالغبن صنف كتاب "ذم الوزيرين" ويقصد صاحبي المكتبتين المذكورين.

لم تنقطع الوراقة في يوم من الأيام، مع اختلاف تقدم الكتاب أو تأخره، ولولا تلك المكتبات والأسواق لما وصلتنا روائع عمرو بن بحر الجاحظ، وابن قتيبة، ولا كتاب "الأغاني" لأبي فرج الأصفهاني"، ولا قصائد كبار الشعراء، والطبقات وكتب التاريخ والفكر بشكل عام.

مر الكتاب الطيني أو الحجري (نقش على الحجر) أو الجلدي (الكتابة على الجلود) بأزمة وانحسار مثلما مر اختراع الورق، فاليوم هناك من يرى الكتاب الورقي يتعرض للأزمة نفسها، وهو يُكابر، لكن أسواق الوراق، في معارض الكتب، نجدها في تزايد، فهل عجز الكتاب الإلكتروني عن إزالة الكتاب الورقي مثلما كان الأخير مع الرُقم الطينية؟ سؤال تختلف إجاباته بين مؤيدي الإلكترون والعاجزين عن التخلي عن الكتاب الورقي.

12