الورد البلغاري رمز وطني ومكون أساسي للعطور العالمية الفاخرة

يستمر البلغار في الاستيقاظ باكرا لقطف الورود في تقليد يعود إلى أكثر من ثلاثة قرون، إذ أن هذه الزهور لا تزال مكوّنا لا يمكن للعطور الفاخرة أن تستغني عنه، والأكثر من ذلك أنها باتت محمية على الصعيد الأوروبي.
الخميس 2015/06/25
الورود يجب أن تقطف عندما تكون مغطاة بالندى

صوفيا - توضح توتكا خريستوفا، العاملة الموسمية المسنة في بلدة تارنتشان الواقعة جنوب سلسلة جبال البلقان، "يجب قطف الورود عندما تكون مغطاة بالندى، فعندها تكون في أفضل حالاتها".

وتقوم توتكا بالحركات نفسها من دون ملل، في مايو ويونيو، من كل سنة لجمع 25 إلى 30 كيلوغراما من أوراق الورد يستخرج منها 7 الى 8 غرامات فقط من الزيت العطري المسمى أيضا خلاصة الورد، فهي تفصل الزهرة عن الساق وتضعها في كيس بلاستيكي. ويتوقف قطاف الزهر عند الساعة العاشرة صباحا، حين تتسبب الحرارة في إنزال خلاصة الورد إلى الجذور.

يُذكر أن بلغاريا وتركيا تعتبران أكبر منتجين عالميين لخلاصة الورد متقدمتين على إيران والمغرب والهند والصين. ويوضح جورجي تشاوتشيف، مدير معهد الورد في كازانلاك وسط بلغاريا، أن تقنية الاستخراج "تمارس في بلغاريا منذ أكثر من 350 سنة" من دون تغييرات تذكر. وما أن تقطف الزهور، تنقل إلى قطارات حيث تغلى، ويتم تكثيف البخار ومن ثم يقطر مجددا للوصول إلى الزيوت العطرية.

وثمة حاجة الى 3500 كيلوغرام من اوراق الورد للحصول على كيلوغرام واحد من هذه الزيوت. ويتأتى الانتاج البلغاري لخلاصة الورد البالغ 1500 كيلوغرام من 5,25 اطنان من اوراق الورد المزروع على مساحة 3800 هكتار غالبيتها في منطقة كازانلاك الملقبة وادي الورود.

ويعثر فيها خصوصا على نوعية "روزا داماسكينا". فالمناخ المعتدل والطمي في الوادي يسمحان بزراعة هذه الزهرة التي لا يمكن لصانعي العطور الكبار في العالم الاستغناء عن زيتها العطري. فلا بديل مركبا لهذا المنتج الذي يحوي 350 مكونا مختلفا.

بلغاريا تحتفل في الأحد الأول من يونيو سنويا بعيد الورد بجمعها في ما بين الرابعة فجرا حتى العاشرة صباحا

ويدفع مصنعو العطور، ستة آلاف يورو وأحيانا أكثر، في مقابل كيلوغرام من هذا السائل السميك بلون العنبر. وللمفارقة يؤكد الخبير نيكولاي نينوف أن عنصر الجذب ليس الرائحة وهي قوية، بل احتواء هذا السائل على مئات من المكونات الطبيعية والاصطناعية الموجودة عادة في العطور وفي تركيز رائحتها.

والزبائن الرئيسيون لخلاصة الورد البلغاري هم دور عطور في فرنسا والولايات المتحدة واليابان. وسجل اهتمام متزايد من قبل زبائن اسيويين ولاسيما في الصين.

وبسبب هذا النجاح، يقع هذا الكنز ضحية العديد من المزورين، ولمكافحة التزييف حصلت بلغاريا بعد إجراءات استمرت تسع سنوات على علامة "مؤشر جغرافي محمي" من المفوضية الاوروبية. وبات مختبر إيطالي يصدر شهادة جودة للمنتج للسماح ببيعه في الاتحاد الاوروبي تحت اسم "خلاصة الورد البلغاري".

وهذه الشهادة تضمن أن المنتج استخدم أوراق ورد من منطقة تقليدية بلغارية في زراعة الورد وانه احترم تقنية التقطير ويملك المميزات الكيميائية والمادية للزيوت العطرية للورد البلغاري.

ويقول فيليب ليسيتشاروف أحد كبار المنتجين الذي أحيا أول قطارة في البلاد بناها جد والده العام 1909 في تارنينتشان، إن الحصول على هذه العلامة "شكل نجاحا كبيرا جدا" سيسمح لزارعي الزهور البلغار بالمحافظة على جودة منتجهم.

وتؤكد أوليانا اوغنيانوفا، من شركة "بولاتار" الكبيرة للتصدير، إن العلامة تشكل بالنسبة لزبائن وادي الورود "ضمانة إضافية لنوعية المنتج أصالته".

الجدير بالذكر أن بلغاريا تحتفل في الأحد الأول من يونيو سنويا بعيد الورد، حيث تقام احتفالات خلالها الأولاد السلال يوضع فيها الورد الذي تقطفه الفتيات، ليردد الجميع أغان شعبية توارثوها جيلا بعد جيل.

الوردة هي أحد رموز بلغاريا الوطنية

وتبدأ الاحتفالات بجمع الورد في ما بين الرابعة فجرا حتى العاشرة صباحا، حيث إن الزيت الغني الموجود في الورد يبدأ التبخر بعد العاشرة صباحا، ويطلق عليه ورد الثلاثين لأن الوردة الواحدة تضم ثلاثين ورقة.

ويحرص الاهالي على الاحتفال بهذا العيد حيث يرتدون ملابسهم الشعبية التقليدية يغنون للزهور ويرشون الشوارع والبيوت بماء الورد وبعد ذلك يختارون ملكة جمال مدينة الزهور.

يذكر أن مدينة كازنلاك البلغارية تضم متحف الورود الوحيد من نوعه في العالم والمكرس لاستخراج زيت الورد، لاسيما أن الوردة هي أحد رموز بلغاريا الوطنية.

وفي عام 1967 انشئ معرض صغير مخصص لقطف الورد في كازنلاك والمنطقة المحيطة بها. وقد تطور المعرض وأصبح متحفاً مستقلاً في عام 1969.

ويحتفظ متحف الورد بأكثر من 15000 معروضة تتعلق بقطف الورد وإنتاجه من كل أنحاء بلغاريا. يعتبر جنوب الصين موطناً للوردة التي تعطي زيتاً عطرياً، وقد وصلت إلى بلغاريا عن طريق الأتراك العثمانيين.

ووفقاً لمعلومات مكتوبة ينتج الزيت العطري بكميات صناعية في بلغاريا منذ عام 1650. وقد قامت شركة فرنسية بتصدير أول شحنة من زيت الورد العطري من بلغاريا في عام 1740. في ذلك الوقت، كان زيت الورد العطري البلغاري المادة الخام المفضلة لصانعي العطور الفرنسيين.

يضم المتحف صورا ووثائق أصلية تظهر تطور الانتاج، وأدوات تجهيز الحدائق، وحاويات لتخزين وتصدير الزيت العطري وماء الورد. كما وتم في متحف الورد إعادة بناء أحد مستودعات زيت الورد والمختبر الأول لبحث وتطوير الزيت العطري، الذي أنشئ في 1912.

ومن أكثر المعروضات تشويقاً للزوار وعاء لزيت الورد، كان قد استخدم لآخر مرة سنة 1947، لكن رائحة ورد قوية لا تزال تفوح منه.

20