الورد علف عَطِرٌ للأغنام في غزة

فايروس كورونا يوقف انتاج الزهور في قطاع غزة ويتسبب في خسائر كبيرة لأصحاب المزارع.
الجمعة 2020/04/24
يا ورد من يشتريك

رفح (فلسطين) - أتى الربيع الطلق “يختال ضاحكا من الحسن، حتى كاد أن يتكلما”، كما يقول البحتري في قصيدته الشهيرة، لكنه صادف مزارعين فلسطينيين يدوسون بأقدامهم ورودهم التي لم تجد من يشتريها.

ففي هذه الفترة من كل عام، يكون مزارعو الزهور في ذروة انشغالهم بعقد صفقات بيع إنتاجهم، الذي أينع مع حلول الربيع، متزامنا مع بدء احتفالات السكان بمناسباتهم السعيدة. لكن جائحة فايروس كورونا أوقفت كل شيء، فلا مناسبات تقام، في محافظة رفح.

الشاب لَبّاد حجازي ورث المهنة عن والده غازي، الذي هو أول من زرع الزهور في قطاع غزة عام 1991، وكان يصدّرها إلى هولندا، وحصل على المرتبة الأولى محليا فيها، والمرتبة الثانية في بورصة الزهور العالمية، ولديه عشرة دونمات مخصّصة لهذا النوع من الزراعة، في المنطقة الغربية من مدينة رفح جنوب قطاع غزة.

يقول حجازي (20 عاما)، إنه في ظل أزمة كورونا الحالية، نضطر لإتلاف الزهور وإلقائها في النفايات، حيث يقوم مربو الأغنام والماشية بأخذها وإطعامها لأغنامهم وماشيتهم، وينقلونها إلى الحظائر، وهذا يؤسفنا كثيراً لأنه ما باليد حيلة”.

إن عائلة حجازي تملك آخر مزرعة للزهور في قطاع غزة، تمكنت من الصمود طوال السنوات الماضية.

وقبل عام 2012، كانت تنتشر في رفح نحو 500 مزرعة للزهور، تصدّر أغلب إنتاجها إلى الخارج. ويقول الخبير الاقتصادي ماهر الطباع، “كانت زراعة الزهور في قطاع غزة تشكّل مصدرا أساسيا للعديد من المزارعين والمصدّرين، وكان يتمّ تصدير أكثر من خمسين مليون زهرة سنويا، لكن مع الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع، وإغلاق المعابر وتكاليف الإنتاج تراجع هذا القطاع بشكل كبير، إلا أن بعض المزارعين الكبار عادوا مؤخرا مرة أخرى للاستثمار في هذه الزراعة وتسويقها في الأسواق المحلية”.

 ولم يتبق من حقول الزهور اليوم سوى مزرعة “حجازي”، والتي تبيع إنتاجها للسوق المحلي. إلا أن جائحة كورونا قد تتسبب في إغلاق المزرعة الأخيرة، البالغة مساحتها نحو 10 دونمات (الدونم ألف متر مربع)، والتي تأسست مطلع تسعينات القرن الماضي.

وتنتج المزرعة حاليا أصنافا تصلح للبيع في السوق المحلي، ومنها “الجوري والزنبق واللونضا والخرسيوت والقرنفل وليمونيوم (العويذران)”.

كورونا قد يتسبب بإغلاق المزرعة الأخيرة  البالغة مساحتها نحو 10 دونمات والتي تأسست مطلع تسعينات القرن الماضي

ويضيف حجازي، أن والده رفض إغلاق المزرعة، وبقي صامدا في وجه المصاعب والعراقيل طوال السنوات الماضية. لكن الشاب حجازي لم يعد واثقا بما إذا كان قرار والده هذا صائبا.

ونتيجة تداعيات كورونا، وتراجع البيع بشكل كبير، تكبّدت المزرعة خسائر فاقت 150 ألف شيكل إسرائيلي (نحو 42 ألف دولار)”، بحسب قوله.

ويتابع حجازي، “كل يوم يمر تكلفته حوالي 800 شيكل، سواء كان هناك بيع أو لم يكُن، موزعة ما بين (عمال، كهرباء، مياه، مبيدات، سماد عضوي)”. وتصل تكلفة زراعة الدونم الواحد حوالي 30 ألف شيكل لجميع أصناف الورود، باستثناء “الجوري” التي تبلغ 50 ألف شيكل سنويا، كما يوضح.

ويوضح حجازي، الذي يعيل أسرة مكوّنة من 25 نفرا، يقتاتون من وراء زراعة الزهور، إضافة إلى نحو 6 عمال لديهم 14 نفرا، “يوجد لدينا أكثر من 14 صنفا من الزهور، وفي هذه الفترة من العام كنّا نشهد إقبالا على الزهور خاصة للمناسبات والاحتفالات ومهرجانات وفعاليات في المدارس وللسوق المحلي، وقبل شهر رمضان، لكن للأسف أزمة كورونا ضربت الموسم، كما أن التسويق الخارجي متوقف منذ عام2011 تقريبا”.

كل شيء توقف، حتى الأفراح؛ بسبب الجائحة وما تبعها من إعلان حالة الطوارئ في فلسطين.

وأعلنت الحكومة الفلسطينية حالة الطوارئ لمدة شهر، قبل أن تمددها مؤخرا شهرا إضافيا، وتم بموجبها إغلاق صالات الأفراح والمطاعم والمؤسسات التعليمية والأسواق الشعبية والنوادي الرياضية، لأجل غير مسمى.

ويتابع حجازي “لم يعد هناك بيع للورد سوى بكميات شحيحة وبثمن زهيد، لا يعوّض التكاليف؛ وباتت الزهور من نصيب المواشي ومكبات النفايات”.

 ويشير إلى أن لإغلاق المدارس والجامعات تأثيرا كبيرا على قلة المبيعات، فكثير من الطلبة والسكان يطلبون الورود كهدايا سواء لمعلميهم أو لزملائهم.  وعبّر المزارع حجازي، الذي يقطن في منطقة شارع الزر غرب رفح، عن أسفه لعدم التفات الجهات المسؤولة لمعاناته، حيث لم يتفقد أحد منهم أوضاع المزارعين وأحوالهم، ودعاهم إلى الاهتمام وتقديم المساعدة والتعويض عن الخسائر التي تكبّدوها.

كما عبّر عن امتعاضه من قيام شركة كهرباء غزة بقطع التيار الكهربائي عن مزرعته لعدم قدرته على تسديد الفاتورة، قائلا “مؤخرا جاء عمّال الكهرباء وقطعوها على المزرعة، وقالوا إن علينا أن ندفع الفاتورة وبعدها قطعوا الكهرباء، ونحن لا يوجد لدينا أموال للدفع حاليا، اضطررت للاستدانة من أحد أقاربي والدفع لهم”. ويبيّن حجازي أنهم يقومون بعملية تقليم المشاتل الزهور الناضجة، بعد أن فاتها قطار البيع، وإتلافها جميعا، على أمل أن تزهر مجددا بعد أسابيع من الآن، وتجد مكانا لها في السوق، بعد أن تنتهي الجائحة.

وفي حال استمرّت الجائحة، يجيب حجازي “حينها سنكون أمام خيارين قاسيين، فإما تقليص المساحة المزروعة، وإما إغلاق المزرعة”.

20