الورود والزهور لم تغب عن أدب الأقدمين

علاقة الإنسان بالأزهار والورود متأصلة ضاربة في التاريخ، وتتواصل آثارها إلى الفترة الراهنة، ورسوخها في مختلف تفاصيل حياته تمثل مجالا لتبين أن التراث الإنساني حافل بالدلالات الجمالية وأن المعاني النقيضة لهذه القيم دخيلة وطارئة.
الاثنين 2015/06/22
الأبعاد الرمزية للأزهار عند العرب انغمست في أدق تفاصيل الحياة

عمان - علاقة العرب والمسلمين بالأزهار والورود ليست وليدة اليوم بل إن التراث في مختلف الحقب التاريخية لا يخلو من تعبيرات متنوعة تدل على عمق هذه العلاقة. فالفنون العربية بأنواعها تسجل حضورا لافتا للأزهار فتجدها في الشعر القديم والحديث وتجدها في الأغاني وفي النقوش والزخارف وتجدها في الاحتفالات كما تراها على قبور الموتى.

والتراث بمحامله المادية والمعنوية ينقل علاقة التأثير والتأثر بين الإنسان والطبيعة المحيطة به، وتسجل الأزهار والورود حضورا بارزا في منقولات هذا التراث فتجدها في الموروث الثقافي من كتابات وأشعار وكتب طبية وتجدها في الأغاني الشعبية كما تجدها مرسومة على اللوحات وفي الفسيفساء وتلحظها في المعمار وفنون الزينة والنحت والنقش على الخشب أو الجبس كما تراها تؤثث وتزين الصناعات الحرفية من أفرشة وأغطية وملابس.. إلى جانب وجودها في حدائق المنازل وشرفاتها واليوم تراها تباع في الأسواق وفي محال خاصة بها.

توارث الناس عشق الأزهار بأنواعها واهتموا بها اهتماما خاصا دلالة على شغفهم بجمالها ولإبداع الخالق فيها وشغفا بالروائح الطيبة التي تنتجها وقد دأبوا منذ عقود على استخراج العطور المتنوعة منها، فازدهرت صناعة العطور لديهم وكان للمصريين القدامى الدور الأكبر في تأسيس صناعة العطور واعتمدوا لذلك طريقتين تتمثل الأولى في وضع الأزهار في لوحة كبيرة من ورق البردي له طرفان تمسك به امرأتان وتوضع الورود مع قليل من الماء في داخل اللوح ثم تدير كل امرأة الطرف الذي تمسك به عكس اتجاه المرأة الأخرى فيتم عصر الورود، ويوضع تحتهما إناء كبير ليسع الكمية المعصورة ثم بعد ذلك تحفظ في أوان خزفية وفخارية، وكان العطر يصنع للملكات وزوجات الأمراء والكهنة والأثرياء للتعطر به في المناسبات.

أما الطريقة الثانية فهي وضع الورود في إناء فخاري صغير وحرقها لتنبعث من دخانها رائحة طيبة تعم الأجواء، وكان هذا النوع من العطور جزءا من القرابين المقدمة للآلهة أو لتوديع المتوفى ولم يكن لأغراض الزينة وهو ما يشبهه البخور في وقتنا الحاضر. ثم تناقلت الحضارات المتعاقبة تقنيات هذه السنة إلى أن وصلت للحضارة العربية الإسلامية.

ويرجح المؤرخون أن العرب هم أول من استخدم تيجان الأزهار لاستخراج مائها منذ 1300 عام، ولم يستعمل العرب تاج الأزهار كعطر فقط بل استعملوه كدواء كذلك، ولعل أقدم أنواع العطور في العالم يدعى “عطر الورد” وقد كان رائجا لدى القبائل العربية.

حمل التراث الشعبي في كل مجالاته الكلامية والموسيقية والعينية وفي الأزياء والعمران موجودات تؤرخ لتعلق العرب بالورود

وتعتبر الأزهار مثل الياسمين والبنفسج وزهر الليمون والورد وغيرها، من المصادر المهمة لاستخراج العطور عبر تقنيات العصر ثم تقنيات التقطير المائي أو الاستقطار التي اكتشفها وطورها العالم بن سينا وكان لها تقنياتها ومراحلها التي تطورت عبر تطور الوسائل وما زالت إلى اليوم تستخدم لاستخراج العطور الطبيعية في عديد الدول العربية مثل المغرب وتونس، حيث تمتلك النساء القطار التقليدي وتستخدمه في استخلاص ماء الزهر مثلا.

وأيضا من أبرز العلماء العرب في صناعة العطور عالم الكيمياء الكندي الذي ذكر في كتابه (كيمياء العطور) قائمة طويلة لعطور مختلفة وكان في أغلب طرقه يستخدم المسك والعنبر كجزء أساسي في أغلب العطور.

غير أن صناعة العطور العربية والشرقية عموماً لم تكن لتزدهر لولا توفير المادة الأولية عن طريق زراعة الأزهار والورود فقد تناقلت مختلف الدول العربية زراعة أنواع عديدة منها خاصة تلك التي تتواءم مع مناخ وطبيعة المنطقة، وعبر التبادل الثقافي وتطور تقنيات الزراعة تعرف العرب على أغلب أنواع الزهور. ولم يبعدهم التطور في العمارة ونشأة المدن من إحضار الزهور لمقر سكناهم فتجدها في أغلب الحدائق في المنازل العادية لعامة الشعب كما تجدها في القصور والفيلات اليوم.

وارتبطت العديد من المدن العربية حتى في تسمياتها وفي وصفها بأنواع معينة من الأزهار وأصبحت هذه الأنواع بمثابة الرمز لتلك الحواضر فتونس مثلا تلقب ببلد الياسمين حتى أن ثورتها سميت بثورة الياسمين، أما مصر فقد عرفت بالورد البلدي واللوتس رمز الفراعنة أما العراقيون فاقترن ذكرهم بالورد الجوري وأزهار السوسن..

كما عرف الخلفاء المسلمون بعشقهم للأزهار بأنواعها فلم تغب عن حدائق قصورهم وتعطروا ونساؤهم بمياهها، وتفنن خدمهم في رصفها وتوزيعها داخل الغرف للزينة بشكل يومي، كما أبدعوا في تزيين حفلاتهم بها وتزيين ملابسهم برسومها واعتبروها من أجمل الهدايا فكانت تقدم للاحتفاء بالضيف وتقدم كهدية للمقربين.

العرب مثلوا جمال حبيباتهم بجمال الأزهار

ولعل أبرز ما تتناوله الروايات التاريخية في العصر الإسلامي عن شغف الخلفاء بالأزهار ما قاله وفعله الخليفة جعفر المتوكل عاشر الخلفاء العباسيين (ت247هـ) “أنا ملك السلاطين والورد ملك الرياحين، فكل أولى بصاحبه”، فحرمه على الجميع ولا يرى الورد إلا في مجلسه، فكان في موسمه يلبس الثياب الموردة، ويفترش الفرش الموردة.

وكان يأمر بنثر الورد مثل الدراهم عند الاحتفال وهي عادات توارثها العرب إلى حد اليوم فتراهم يستقبلون العروسين في حفل الزفاف بنثر الزهور وكذلك تتزين بها العروس أو تحمل باقة في يدها.. وفي أغلب المدن والقرى العربية نجد الأزهار في الحدائق وفي شرفات المنازل وحتى داخل المنازل للزينة ونظرا للتوسع الحضري على حساب المساحات الخضراء نلاحظ في عديد المنازل خاصة لدى عامة الشعب استعمال الورود والأزهار الاصطناعية للزينة والديكور.

وحضرت الأزهار في التراث الإسلامي مع بقية النبات في الكتب الطبية مثل: “القانون في الطب” لابن سينا (ت428هـ)، و”الجامع لمفردات الأدوية” لابن البيطار الأندلسي (ت645هـ) وذكرت أيضا في كتب النثر الجامعة مثل: “نهاية الأرب في فنون الأدب” لشهاب الدين النويري (ت733هـ)، وكتب أخرى يذكر أن من أقدمها “فضائل الورد على النرجس″ لابن طيفور (ت280هـ).. كما يتجلى حضور الأزهار في الكتابات العربية في الشعر العربي القديم وأيضا الحديث في أبهى الصور الشعرية، حيث يقترن لون الزهرة وشكلها بمعان معينة فاللون الأبيض يرمز للصفاء والأحمر يدل على الإثارة.. هكذا أدرجت مختلف أنواع الورود في خانة الغزل عند الشعراء العرب القدامى فمثلوا جمال حبيباتهم بجمال الأزهار، وعلى هذا المنوال نسج شعراء الشعر الرومانسي الحديث.

وحمل التراث الشعبي في كل مجالاته الكلامية والموسيقية والعينية وفي الأزياء والعمران موجودات تؤرخ لتعلق العرب بالورود فالأغنية الشعبية أيضا تقدم صورا شعرية وفنية جميلة نجد فيها تعبيرات الإنسان عن كل الحالات التي مر بها من حزن وفرح وحب مستحضرا الطبيعة ومشبها حالاته ومشاعره بمناظر الزهور.

والحال ذاته بالنسبة للأساطير والحكايات والأمثلة الشعبية. كما تستعمل الزهور اليوم في نفس الأغراض عند الشعوب العربية تقريبا للزينة والتعطر والتداوي والهدايا وكذلك دخلت عالم التجميل ومستحضراته خاصة منها الطبيعية والمنزلية.

12