الوساطة العائلية في تونس.. آلية لحل المشاكل الأسرية وتخفيف العبء عن القضاة

تشريع قانون للوساطة العائلية يساعد على تسوية الخلافات الأسرية.
الخميس 2021/06/24
مؤسسة الوساطة العائلية تنظر في جميع المشاكل التي تهم الأسرة

رغم أن العمل بالوساطة الجزائية (الوساطة الجزائية هي آلية جديدة ونمط مستحدث في القوانين الإجرائية المقارنة والغاية منها هي حل النزاعات الجنائية بالطرق الودية) يتم وفق قانون منظم ووفق حكم قضائي صدر لتفعيل العمل بها إلا أن الوساطة العائلية ما زالت تفتقد إلى التقنين. وأكد المختصون في تونس أن صدور قانون خاص بالوساطة العائلية سيساعد على تسوية الخلافات والمشاكل بين أفراد العائلة الواحدة في جميع المجالات على غرار المجال المالي ومجال العلاقات الزوجية، ومن قبل مختصين يتم تكوينهم في الغرض.

تونس ـ أذنت رئاسة الحكومة التونسية، بعد الإطلاع على مقترح من قبل وزارة المرأة، بالعمل على وضع نص قانوني يتعلق بالوساطة العائلية.

ولفتت إيمان هويمل وزيرة المرأة والأسرة والطفولة والمسنين إلى أن هذا القانون سيساعد على تسوية الخلافات والمشاكل بين أفراد العائلة من قبل مختصين يتم تكوينهم في الغرض، مبرزة أنه “يجري العمل على إعداد قانون يهم الوساطة المهنية”.

وعقدت مؤخرا لجنة قيادة إعداد مشروع القانون المتعلّق بالوساطة العائلية اجتماعها الأول بمشاركة ممثلين عن الهياكل العمومية ذات العلاقة على غرار وزارة العدل ووزارة الداخلية ووزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة المرأة والأسرة وكبار السن.

ويتنزّل إعداد مشروع قانون الوساطة العائلية في إطار تجسيم القرارات التي أذن بها رئيس الحكومة يوم 8 مارس 2021 بمناسبة اليوم العالمي للمرأة وتنفيذا للإستراتيجية الوطنية لتطوير قطاع الأسرة.

وستعمل اللجنة، خلال سلسلة من الاجتماعات الدورية، على وضع الإطار القانوني لآلية الوساطة العائلية التي ستشمل تطويرا في مشمولات ومهام هذه الآلية مقارنة بالمُصالح العائلي الذي تمّ إحداثه بموجب القانون عدد 50 لسنة 2010 لمساعدة قاضي الأسرة في إنهاء النزاعات الزوجية التي تعرض عليه في إطار قضايا الطلاق على معنى أحكام الفصل 32 من مجلة الأحوال الشخصية.

ويتضمّن مشروع القانون إحداث مؤسسة الوساطة العائلية التي ستسمح بفض النزاعات بين مختلف أفراد الأسرة وليس بين الزوجين فحسب، وفي جميع المجالات على غرار المجال المالي ومجال العلاقات الزوجية.

وأجمع المشاركون على ضرورة تشخيص الواقع القانوني والمشاكل التطبيقية التي أحاطت بالمصالح العائلي وتداركها عند تصور النص القانوني الخاص بالوساطة العائلية.

وفي ندوة بعنوان “تقييم تجارب الوساطة في تونس، نقاط القوّة والضعف والآفاق” أكدت سعيدة الشبيلي رئيسة المحكمة الابتدائية بسوسة (ساحل) ورئيسة الجمعية التونسية للوساطة على ضرورة أن يتم تغيير العقلية ليكون أساس حل المشاكل بين المتنازعين هو الحوار والتوافق وليس التوجه نحو المحاكم الذي يتوجب أن يكون استثناءً. كما أكدت على ضرورة تكوين الفاعلين في الوساطة من قضاة ومحامين وعدول إشهاد وتنفيذ ومجتمع مدني، وذلك وفقا لقرار من وزارة العدل حتى لا يكون التكوين عشوائيا.

إيمان هويمل: هذا القانون سيساعد على تسوية الخلافات بين أفراد العائلة
إيمان هويمل: هذا القانون سيساعد على تسوية الخلافات بين أفراد العائلة

كما أقر المنجي شلغوم (رئيس دائرة في محكمة التعقيب بتونس) بأنّه اعتمد آلية الوساطة القضائية في الفترة 2013 – 2014 حين شغل خطة رئيس المحكمة الابتدائية بزغوان (شمال)، ضمن مشروع حول الوساطة الجزائية أنجز بالتعاون مع الهيئة الأوروبية لنجاعة القضاء، وذلك لتخفيف الضغط على المحاكم وعلى النيابة العمومية.

 وبيّن أن الوساطة الجزائية من اختصاص وكيل الجمهورية الذي يمكنه وحده ومن تلقاء نفسه اعتمادها، هذا إلى جانب طلب الصلح من قبل المتنازعين أو من قبل محاميهم.

وأكد على ضرورة تحسيس المحامين والمتقاضين بأهمية الصلح باعتماد الوساطة الجزائية، حيث يمكن خلال جلسة واحدة حل الإشكال والخروج بحل يرضي الطرفين المتنازعين، مشيرا إلى أنّه لم يسجل في تجربته بالمحكمة الإبتدائية في زغوان تقديم طلب من أي محام لاعتماد آلية الوساطة لفضّ أي نزاع.

واقترح شلغوم فكرة إيجاد إعانة عدلية في مجال الوساطة على غرار ما هو معمول به في دول أخرى للتشجيع على الوساطة وتدريسها في الجامعة لتحسيس المحامين بأهميتها وتوفير مطويات تعرّف بآلية الوساطة في المحاكم.

وأبرزت زينب الطرابلسي قايد السبسي، المحامية والمكوّنة المعتمدة في الوساطة والوسيطة في حلّ النزاعات، أنّ هناك إرادة لتفعيل الوساطة ميدانيا لتصبح آلية تعتمد يوميا باعتبارها وسيلة بديلة لحل النزاعات دون اللجوء من الوهلة الأولى إلى القضاء.

وقالت “لا بّد من تحسيس المحامين والعدول وبقية الفاعلين بأهمية تفعيل الوساطة خارج القضاء، وتكوينهم في مجال الوساطة، إذ يمكنهم تقديم إضافة كبيرة في المجال، ويمكن للمحامين أو عدول الإشهاد وضع بند للوساطة في العقود التي يحررونها لتفعيل الوساطة الاتفاقية”، مقترحة تكوين المكوّنين في هذا المجال.

وبيّنت أنّ الوساطة القضائية تتطلب صدور القانون المتعلق بالوساطة إذ لا بّد من توفر نص قانوني للقضاة، علاوة على أنّه يمكن تفعيل الوساطة العائلية، معتبرة أنّه لا بد من خطوة جريئة لبدء العمل بالوساطة في انتظار صدور قانون في هذا الإطار.

ويرى خبراء القانون أن الآليات البديلة لتسوية النزاعات ليست آليات جديدة، وإنما هي قديمة قدم البشرية حيث كانت حاضرة وفعالة لدى كل المجتمعات، لكن الجديد هو أنها أصبحت ضرورية على مختلف الأصعدة، وهي  ضرورة أفرزتها المعضلة التي يواجهها القضاء الرسمي في مختلف الأنظمة القضائية في العالم والتي تتجلى في تراكم أعداد هائلة من القضايا بسبب التأخير في إصدار الأحكام والبطء في حسم النزاعات.

وقد أولت الكثير من الدول العربية هذه الوسائط اهتماما كبيرا، حيث نظم المشرّع التحكيم بنوعيه الداخلي والدولي والوساطة الاتفاقية والصلح في مدونة الأسرة.

ويزداد اللجوء إلى الوسائل البديلة أهمية كلما تعلق الأمر بالمنازعات الأسرية نظرا لطبيعة العلاقة التي تربط بين مكونات الأسرة.

وتحقق آلية الوساطة العائلية توازنا ماديا ومعنويا للمرأة والأطفال وتضمن المحافظة على استقرار الأسرة وتماسكها وعدم تفككها.

وتعد الوساطة العائلية إحدى الطرق البديلة لفظ المنازعات المتعلقة بالأسرة والتي عرفت انتشار واسعا، إضافة إلى فوائدها الإيجابية المتمثلة في تخفيف العبء على القضاة، إذ أصبحت الوسيلة الأولى لتسوية النزاعات في جل القوانين.

وتتطلب الوساطة العائلية في دولة المغرب على سبيل المثال ضرورة استدعاء الزوجة قبل الطلاق والاستماع إليها في غرفة المشورة قصد بحث أسباب الخلاف وتذويبها من خلال فتح حوار بين الزوجين والاستماع إلى كل من تتوقع منه المحكمة إفادة. والقاضي -وهو يقوم بعملية الصلح- له أن يتخذ كل الإجراءات التي يراها مناسبة للتوصل إلى حل، بما في ذلك انتداب حكمين أو مجلس العائلة أو من يراه مؤهلا لإصلاح ذات البين.

21